نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٨ - القسم الثاني الزاد إلى المعاد
نعمة الفراغ في مقابل الانشغال والعمل والهم بالزوجة والولد، والعبارة الثالثة
«وفي متنفسه»
نعمة العافية والسلامة وعدم وجود الشدائد والمصائب. أمّا العبارة
«وليمهد ...»
فهى تشير إلى التأهب للآخرة، في حين تشير
«وليتزود»
إلى التجهز وكسب الزاد؛ على غرار ما يفعل الإنسان في هذه الدنيا، حيث يعد المنزل وأدواته ثم يتجه صوب الزاد والمتاع. ثم يواصل الإمام عليه السلام تحذيراته فيقول:
«فاللّه اللّه أيّها النّاس، فيما استحفظكم من كتابه، واستودعكم من حقوقه».
طبعاً المراد من الكتاب القرآن الكريم حيث كلف الناس بصيانته والالتزام بأحكامه، أمّا المقصود بالحقوق التي استودعها العباد فهى أحكام الحلال والحرام التي ينبغي الالتزام بها وعدم مخالفتها. [١] ثم بين الدليل من هذا الانذار بقوله:
«فإنّ اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثاً ولم يترككم سدًى [٢] ولم يدعكم في جهالةٍ ولا عمًى، قد سمّى آثاركم، وعلم أعمالكم، وكتب آجالكم»
فهى عبارات قصيرة ذات معان بعيدة تختزن المفاهيم العظيمة المؤيدة بالآيات القرآنية. فقد أشار في المرحلة الاولى إلى الهدف من وراء خلق الإنسان، ومن ثم الحديث عن الامور التي تنطوي عليها الحياة الإنسانية، والمرحلة الثالثة الحديث عن وجود الزعماء والعلم بالأعمال، وتطرق بعد ذلك إلى بيان الوظائف والمسؤوليات وعلم الحق سبحانه بأعمال البشر، وأخيرا الحديث عن قصر عمر الإنسان وحلول أجله. ومن الواضح أنّ الإنسان إذا إلتفت إلى هذه الامور وصدقها بكل كيانه ووجوده سيجد من أجل حفظ كتاب اللَّه والالتزام بحقوقه. فالمهم أن يستحضر الإنسان هدف الخلق ويستفيد مما زوده به اللَّه سبحانه من إمكانات، فيؤمن بأنّ اللَّه عالما بأفعاله وإلّا ينسى بأنّ عمره قصير آيل إلى زوال؛ الامور التي تلعب دوراً بناءاً في خلق شخصية الإنسان وتهذيب نفسه. فقد قال القرآن بهذا الشأن: «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لاتُرْجَعُونَ» [٣] وقال: «قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» [٤] وقال في الآية ٣٠ من سورة محمد:
«وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ» وقال «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لايَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ». [٥]
[١] يعود الضمير في كتابه وحقوقه إلى اللَّه، ولايتناسب ارجاع الضمير في حقوقه إلى كتابه وسياق الكلام.
[٢] «سُدى» على وزن شما بمعنى المهمل والذي لا هدف ولا معنى له، وقد استفيد من هذا الاصطلاح هناللتعبير عن البعير الذي لا راعي له، وقد هام في الصحراء على وجهه، فيرعى من كل مكان يصل اليه.
[٣] سورة المؤمنون/ ١١٥.
[٤] سورة الانعام/ ١٠٤.
[٥] سورة الاعراف/ ٣٤.