نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٨ - القسم الثاني الاتعاظ والاعتبار
مقارفة الذنوب والمعاصي. ثم قال عليه السلام:
«و انتفعوا بالذّكر والمواعظ»
والفارق بين هذه التحذيرات الأربع: ففي التحذير الأول يلفت الإمام عليه السلام انتباه الجميع إلى الحوادث التأريخية الماضية والحاضرة التي تنطوي على الدروس والعبر ليتعظ بها، وفى التحذير الثاني أشار إلى دلالته سبحانه في عالم الوجود أو الآيات القرآنية التي توقظ الضمير. وفي التحذير الثالث تطرق إلى نذر أولياء اللَّه. وأخيراً تعرض في التحذير الرابع إلى نصائح أولياء اللَّه ومواعظهم، وهى التحذيرات الكافية لآثارة حيطة وحذر من كان له أدنى إستعداد للتقبل. ثم واصل عليه السلام كلامه بالحديث عن مرارة لحظات الموت ومعالجة سكراته فقال:
«فكأن قد علقتكم [١] مخالب [٢] المنيّة، وانقطعت منكم علائق الأمنيّة، ودهمتكم [٣] مفظعات [٤] الأمور، والسّياقة إلى الورد المورود، ف «كلّ نفسٍ معها سائقٌ وشهيدٌ»: سائقٌ يسوقها إلى محشرها؛ وشاهدٌ يشهد عليها بعملها»
. لما كان الموت قد كتب على الجميع ولم يعنى زمانه، بحيث يفاجئ الإنسان، فانّ الإمام عليه السلام يتحدث عنه كأمر قد وقع، فيصرح كأنّي قد رأيتكم في مخالب الموت وقد أحاطت بكم سكراته وقد قطعت كل أمانيكم وذهبت أدراج الرياح كأنّها ضرب من ضروب الخيال والاحلام، وكأنّكم انتقلتم من هذه الدنيا إلى الآخرة، يقود كما المكان إلى المحشر. وقد ورد عن الإمام شبيه هذا المعنى في الخطبة ٢٠٤
«تجهزوا رحمكم اللّه! فقد نودي فيكم بالرحيل، وأقلوا العرجة على الدنيا، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد، فان أمامكم عقبة كؤودا، ومنازل مخوفة مهولة، لابد من الورود عليها، والوقوف عندها».
والعبارة
«والسياقة إلى الورود المورود»
إشارة إلى الآية ٩٨ من سورة هود: «يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ
[١] «علقتكم» من مادة «علق» على وزن فلق تعني في الأصل الرابطة الشديدة والتعلق بالشئ، كما تستعمل هذهالمفردة في الحيوان المفترس الذي يمسك فريسته بأسنانه ويمتص دمائها، أو أن يفترسها بمخالبه. وقد شبهت العبارة الموت بهذا الحيوان.
[٢] «مخالب» جمع «مخلب» على وزن محور ومادته «خلب».
[٣] «دهمتكم» من مادة «دهم» على وزن فهم بمعنى الغشاوة، وتستعمل هذه المفردة حين غلبة شئ على آخروإحاطته به، هذا هو المراد بها في العبارة، كما تستعمل في الظلمة التي تحيط بالأشياء، كما تطلق على الأخضر الفاتح، من قبيل مدهامتان التي وردت في سورة الرحمن.
[٤] «مفظعات» من مادة «فظع» على وزن جزع بمعنى الاخافة ومفظعات الأمر شدته، وتطلق على الحوادث العظيمة التي تخيف الإنسان.