نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٢ - القسم الأول معرفة اللَّه
تنزهه عن الشبه؛ لأنّه وجود لامتناهي، ومثل هذا الوجود أزلي، والوجود الأزلي قبل كل شئ وبعد كل شئ، فلو كان قبله شئ لانتفت أزليته. ثم قال عليه السلام في الصفة الثالثة:
«و الْآخر لا غاية له»
كما أشرنا آنفا فانّ هذه نتيجة لعدم تناهيه، وبعبارة أخرى إنتفاء نظيره. ومن الواضح أنّ الصفة الثانية والثالثة ثبوتية: فأوليته في الأزل، وآخريته في الأبدّ. وقال عليه السلام في الصفة الرابعة:
«لا تقع الْأوْهام [١] له على صفةٍ»
فنحن نعلم أنّ عقلنا محدود لايسعه إدراك سوى المحدودات، وعليه فليس للوهم أن يحيط بذاته المقدسة وصفاته المطلقة التي هى عين ذاته، وبعبارة اخرى فانّ علمنا بصفاته إنما هو من قبيل العلم الإجمالي، وإلّا فالعلم التفصيلي بذاته وصفاته متعذر على مخلوقاته. ويتضح مما ذكر أنّ الأوهام هنا بمعنى الأفكار، غير أنّ الفكر حين يعجز يعبر عنه بالوهم. ثم أشار الإمام عليه السلام في الصفة الخامسة والسادسة إلى نفي الكيفية والكمية عن الذات الإلهية المقدسة قائلًا:
«و لا تعقد القلوب منه على كيفيّةٍ، ولا تناله التّجزئة التّبعيض»
والكيفية عبارة عن الشكل والهيئة التي تتخذها الأشياء، سواء كانت هذه الهيئة قابلة للرؤية أو السماع أو اللمس. وبالطبع فانّ الكيفية إنّما ترتبط بالامور التي تكون أوصافها زائدة على ذاتها، أمّا من كانت صفاته عين ذاته، وكانت ذاته خالية من التعدد فليس للكيفية من سبيل إلى ذاته، بعبارة اخرى فان الكيفيات ناشئة من المحدوديات والذات الإلهية اللامحدودة لاكيفية لها. كما أنّ الاشتمال على الجزء والبعض من خواص الأجسام، ومن هنا فالكمية من عوارض الجسم، ولما كان اللَّه سبحانه منزه عن الجسمية، لم تجز عليه التجزئة والتبعيض، وليس للكمية من سبيل إلى ذاته المقدسة. بعبارة أخرى: إنّما تطلق الكمية حيث الزيادة والنقصان، وعليه فليس للَّه من كمية حيث ليس هنالك من زيادة أ ونقصان في وجوده المطلق اللامتناهي. على ضوء ما مر معنا فان التجزئة والتبعيض لفظان متراد فان يفيدان معنى واحد، ألا أنّ بعض شرّاح نهجالبلاغة احتملوا أنّ التجزئة إشارة إلى الأجزاء العقلية (كالجنس والفصل المنطقيين) والتبعيض إشارة إلى الأجزاء الخارجية. عى كل حال فمفهوم
[١] «أوهام» جمع «وهم» على وزن فهم تعني لغويا ما يخطر على القلب، وقد وردت في الخطبة بمعنى إجالةالفكر التي لاتبلغ كنه الذات الإلهية المقدسة وصفاته سبحانه، وبعبارة أخرى لاتبلغ كنه ذاته حتى ذروة حركة العقل التي عبر عنها هنا بالوهم.