نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - القسم الثاني التزود قدر المستطاع
لحرىٌّ بسرعة الْأوْبة» [١]
والمراد بالغائب هنا الأجل، وكأنّه الناقة السريعة الجادة في الحركة حيث يجدبها الجديدان الليل والنهار وهما بمثابة الراعي الذي يحدوها إلى الحركة، ومن الطبيعي أن هذه الناقة- الأجل- ستصل بسرعة إلى هذا الإنسان، أمّا التعبير بالجديدين عن الليل والنهار وذلك لتجددهما على الدوام واستبدال أحدهما بألآخر، والتعبير بالاوبة التي تعني الرجوع، واستنادا إلى القرآن الكريم والأدلة الحسية واليقينية في أن الإنسان كان في البداية مادة خالية من الحياة، ثم دبت فيه هذه الحياة، وأخيراً سيعود إلى ما كان حين الموت، ثم يبعث وتدب فيه الحياة من جديد باذن اللَّه: «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَكُنْتُمْ أمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [٢] وقد ورد هذا المعنى في قصار حكم نهجالبلاغة
«إذا كنت في إدبارٍ والموت في إقبالٍ فما أسرع الملتقى» [٣]
. هذا وقد فسر بعض شرّاح نهجالبلاغة الغائب في العبارة بالإنسان لأنّه غاب عن وطنه ومنزله الأصلي الآخرة والتي يجب عليه الرجوع إليها، والليل والنهار يسوقانه سريعاً إلى ذلك المنزل. ويبدو أنّ هذا التفسير ينسجم والقول: «إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» [٤] وما ورد في وصية أميرالمؤمنين عليه السلام لولده الحسن:
«و اعلم يا بنيّ أنّ من كانت مطيّته اللّيل والنّهار، فإنّه يساربه وإن كان واقفاً، ويقطع المسافة وإن كان مقيماً وادعاً» [٥]
. الّا أنّ الذي يبعد هذا التفسير هو عدم خلوه من التكلف في تفسير الغائب بالإنسان، أمّا تفسيره بالأجل يبدوا أقرب وأنسب ثم قال عليه السلام:
[١] أوبة له معنى مصدري واياب بمعنى الرجوع والإنابة.
[٢] سورة البقرة/ ٢٨.
[٣] نهجالبلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٢٨.
[٤] سورة البقرة/ ١٥٦.
[٥] نهجالبلاغة، الرسالة ٣١.