نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨ - القسم الثاني التزود قدر المستطاع
التي تحل بالفرد عند موته فتنقطع علاقته بالدنيا وتغلق صحيفة أعماله فتكون حفرة قبره روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النار. فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال
«إنّ للقبر كلاماً فى كلّ يومٍ يقول: أنا بيت الغربة ... أنا روضةٌ من رياض الجنّة أو حفرةٌ من حفر النّار» [١]
. طبعاً يراد بهذه الجنّة والنار الجنة والنار البرزخية لا جنّة القيامة ونارها. على كل حال فانّ الإمام عليه السلام تحدث عن قرب القيامة وسرعة ثوابها وعقابها وإن رآها عبيد الدنيا بعيدة ثم قال عليه السلام:
«و إنّ غايةً تنقصها اللّحظة، وتهدمها السّاعة، لجديرةٌ بقصر المدّة»
والمراد بالغاية هنا عمر الإنسان أو إختتام هذا العمر حيث يأخذ بالتناقص كل يوم، ويتحطم ركن منه بمرور كل ساعة ولحظة، فالعمر ليس سوى هذه الساعات واللحظات وهى الحقيقة التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله: «وَالعَصْرِ* إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ»، كما أشار إليها الإمام عليه السلام بقوله: «إنّ الْإنْسان لفى خسْرٍ» [٢]. ومن العجب العجاب أن تسأل أحدهم عن قيمة عمره فلا تراه مستعداً لاستبداله بأي شي بينما يقضي أغلب أوقاته لاهياً عابثاً دون أن يحترم الوقت، والحال ليس العمر سوى هذه الأوقات. ولا بأس هنا بذكر هذه الطريفة التي أوردها المحقق النراقي أحد كبار الفقهاء في كتابه الفكاهى الواعظ طاقديس الذي ذكر فيه تلك المواعظ على هيئة الشعر. فقال أن طراراً ذهب إلى بقال وسأله ما ثمن الجوز؟ قال: كل ألف جوزة بعشرة دراهم. سأل: فما ثمن المئة؟ قال: درهم واحد. سأل: ما ثمن العشرة؟ قال: عشر الدرهم. حتى سأله عن ثمن الجوزة الواحدة. فقال: لا قيمة لها. قال الطرار: فان كان كذلك فاعطني واحدة. فأعطاه. ثم عاد وطلب واحدة. فاعطاه ثم عاد ثالثة وسأله واحدة. وهنا إلتفت إليه البقال وسأله: من أين أنت؟ أجاب: من بلدة فلان. فقال: أيها الماكر، إذهب واخدع غيري (أتريد أن تقتني متاعي بالمكر والخداع) وهكذا يقوم بعض الجهال من أهل الغفلة بهدم ساعات عمرهم ولحظاته بالمكر والخداع وبالطبع فهم لايخدعون سوى أنفسهم فيضيعون هذا العمر الذي لا تعدله قيمة. ثم قال عليه السلام:
«و إنّ غائباً يحدوهالجديدان: اللّيل والنّهار،
[١] الكافى ٣/ ٢٤٢.
[٢] نهجالبلاغة، الكلمات القصار/ ٧٤.