نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤١ - القسم التاسع عاقبة الغضاضة الذبول
هنالك من زمان معين لدى الإنسان لحلول أجله وإختتام عمره، والكل سواسية أمام الموت وليس هنالك من يرجح عيشه لساعة على آخر أو يضمن أنّه سيعيش لساعة. ثم قال عليه السلام موضحاً المعنى المذكور:
«تحتذون أمثلتهم، وتركبون قدتهم، [١] وتطؤون جادتهم»
لعل الإمام عليه السلام أراد توبيخهم بهذه العبارة في أنّكم رأيتم مصير من سبقكم فلم تعتبروا بهم، فاقتفيتم آثارهم وأتيتم بأعمالهم وقارفتم ما قارفوه من الذنوب والمعاصي، والحال كان ينبغي أن تتعظوا بهم وتعتبروا بمصيرهم وعاقبتهم. ثم يخلص الإمام عليه السلام إلى نتيجة يبيّن من خلالها علة مشاهدة الناس لكل هذه الدروس والعبر دون الاعتبار فقال:
«فالقلوب قاسيةٌ عن حظّها، لاهيةٌ عن رشدها، سالكةٌ في غيرم ضمارها! كأنّ المعنيّ سواها، وكأنّ الرّشد في إحراز دنياها».
جاء في نهجالبلاغة أنّ الإمام عليه السلام تبع جنازة فسمع رجلًا يضحك فقال:
«كأنّ الموت فيها على غيرها كتب، وكأنّ الحق فيها على غيرنا وجب، وكأنّ الذي نرى من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون» [٢]
نعم إذا قسى قلب الإنسان وسيطرت الظلمة والغفلة على روحه أعمته عن كل هذه الحقائق التي من شأنها إيقاظ كافة البشرية؛ فما ظنك بهذه الحقائق التي تطالعنا كل يوم! القرآن أشار إلى هؤلاء الأفراد بقوله:
«ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذ لِكَ فَهِيَ كَالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَما اللّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ». [٣]
نعم فالركون إلى الدنيا يقسى القلب، فاذا قسى قلب الإنسان ضل طريق السعادة وسار على غير هدى، بينما يمر على الآيات مر الكرام ليرى المعني بالوعيد غيره، وهو المعني بالصالحين الفائزين برضوان اللَّه.
[١] «قدة» من مادة «قد» على وزن سد بمعنى الشق الطولي، وتطلق على الجادة التي تشق المرتفعات و المنخفضات وتسير قدما، وتطلق على الطائفة التي تنفصل عن جماعة، لأنّ طريقتها تختلف عن تلك الجماعة.
[٢] نهجالبلاغة، الكلمات قصار ١٢٢.
[٣] سورة البقرة/ ٧٤.