نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٠ - تأمّل الزاهد أمير لاأسير
النعمة والورع عن المحرام وهى الأركان الثلاث التي أشارات إليها الخطبة. وهنا لابدّ من القول بأنّ الزهد لايساوي الفقر والحاجة أبدا؛ بل الزهد يعنى الغنى الباطني واشباع النفس بالمعنويات وترك التعلق بالماديات وعلامة ذلك مقاطعة اللذات وإجتناب التجملات. كتب أحد المفكرين المسلمين (رحمة اللَّه عليه) بشأن دوافع الزهد: إنّ الزاهد يعيش حياته بمنتهى القناعة دون أي تكلّف ليقود الآخرين إلى الهدوء والسكينة، أنّه ليشعر باللذة والمتعة في أن يأكل المحتاجون ويشربون قبل أن يأكل هو ويشرب. ولعلنا نلمس هذا المعنى في ما تعارف لدى أهلبيت النبي صلى الله عليه و آله:
«الجار ثم الدار».
المواساة وتقاسم هموم المحرومين والمعوزين يعد الدافع الآخر من دوافع الزهد، فلماكان المجتمع على قسمين مرفه ومحروم فانّ أولياء اللَّه يسعون في الدرجة الأساس إلى معالجة أوضاع المحرومين، فان لم تكن خهناك الإمكانات اللازمة، جهدواً في العيش كأدنى الطبقات المرحومة في المجتمع ليخففوا من معاناة الضعفاء ولايدعوهم يشعرون بالذلة والمسكنة بفضل ما يعانون من جشوبة العيش وخشونة الملبس، ولعل هذا هو المعنى الذي أراد أن يجسده أميرَالمؤمنين علي عليه السلام حين سئل عن ثوبه البالي فقال:
«يخشع له القلب، وتذل به النفس، ويقتدي به المؤمنون» [١]
الدافع الآخر للزهد هو الحرية والخلاص من قيد الحاجة. فالزهد والقناعة تحد من الحاجة وتؤدي بالتالي إلى النجاة من أسر الطمع والحرص على إقتناء الأشياء، من هنا يمكن القول بأنّ نفس الزهد هو الحرية. فالزاهد شجاع وعالم، ومن هنا نرى الحركا التحررية العالمية إنّما توجّه غالباً من قبل الزعماء الذين تسودهم روح الزهد. [٢] ونختتم حديثنا بروايتين عن الزهد. فقد جاء في الرواية أنّ رسولاللَّه صلى الله عليه و آله قال لعلي عليه السلام:
«يا علي إن اللّه تعالى زينك بزينة لم يزين العباد بزينة هى أحب إليه منها: زهدك فيها وبغضها إليك وحبب إليك الفقراء، فرضيت بهم اتباعاً ورضوا بك إماماً. [٣]
وجاء في الحديث وسأله إعرابي شيئاً فأمرله بألف، فقال الوكيل: من ذهب أو فضة؟ فقال:
كلاهما عندي حجران، فاعط الأعرابي أنفعهما له. [٤]
[١] نهجالبلاغة، الكلمات القصار/ ١٠٣.
[٢] إقتباس من كتاب سير في نهجالبلاغة للشهيد المطهري/ ٢١١.
[٣] بحارالأنوار ٤٠/ ٣٣٠، ح ١٣.
[٤] بحارالأنوار ٤١/ ٣٢.