نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٨ - حقيقة الزهد
كلمتين من القرآن: قال اللّه سبحانه «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه» [١]. فالعبارة تفيد أنّ حقيقة الزهد تعني ترك التبعية وقطع أغلال الأسر المرتبطة بالماضي والآتي. الركن الثاني من الأركان الثلاث الزهد قوله عليه السلام:
«والشكر عند النعم»
على أنّ النعم من اللَّه لامن العبد ليتعلق بالخالق ويهجر ذاته. أمّا قوله عليه السلام:
«التورع عند المحارم»
فيشير إلى أنّ حب الدنيا والتعلق بها هو أساس مقارفة الذنب؛ الأمر الذي عبر عنه الحديث الشريف:
«حب الدنيا رأس كل خطيئة» [٢]
. وبناءاً على ما سبق فمن قصر أمله وشكر نعم ربّه وأمسك نفسه عن الذنب فهو الزاهد الحقيقي؛ سواء كان غنياً أم فقيراً، لأنّ الفقر ليس مقياس الزهد قط. ثم قال عليه السلام:
«فان عزب [٣] ذلك عنكم، فلايغلب الحرام صبركم، ولا تنسوا عند النعم شكركم، فقد أعذر اللّه اليكم بحجج مسفرة [٤] ظاهرة، وكتب بارزة العذر واضحة»
. فالإمام عليه السلام وإن أكد على ركنين من أركان الزهد في إختتام الخطبة (ترك الذنب وشكر النعمة) إلّاأنّ عباراته تفيد أن مراده هو أنكم إن لم تؤدوا حق النعمة في شكرها، فلا تنسوا على الأقل قضية الشكر، وإن تبلغوا مرتبة من الورع في هجر الذنوب بحيث تشمل الوقوف عند الشبهات، فلا تجعلوا الحرام يجاوز صبركم فعليكم كحد أدنى التحلي بالتقوى عند هذا الحد. أمّا ما ذكره الإمام عليه السلام من أسس ودعائم للزهد والتقوى فهى من الامور التي يجب توفرها في كل فرد، لأنّ اللَّه أتم حجته وليس لأحد العذر في مخالفته. وزبدة الكلام فان ترك الذنب وشكر النعم على مرحلتين:
الاولى: هى وظيفة كافة المسلمين، وهى في الواقع شرط الإيمان. والثانية: أرفع من سابقتها تنطوي على الورع والتقوى من الشبهات وقصر الامل وهذا ما يليق بالزهاد من أهل الإيمان.
[١] نهجالبلاغة، الكلمات القصار/ ٤٣٩.
[٢] الكافي ٢/ ١٣١، ح ١١.
[٣] «عزب» من مادة «عزوب» على وزن غروب بمعنى بعد، ومن هنا وردت بمعنى ترك الزواج، حيث يطلقعله صاحبه إسم الأعزاب.
[٤] «مسفرة» من مادة «سفور» على وزن قبور بمعنى الكشف وخلع الحجاب، وعليه فالعبارة تعني الأدلة التيتكشف النقاب عن الحقيقة.