نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٩ - ٢- الكهانة والكفر
دون دليل، وعليه فانّ مثل هذا الكلام لايجوز شرعاً، إلّاأن تثبت هذه التأثيرات وما شابهها بالأدلة العلمية والقطعية. بعبارة أخرى: لامانع من الأخبار عن التأثيرات الطبيعية للاوضاع الفلكية الثابتة في الأرض وحياة الناس، وما لم يثبت يجوز التحدث عنه على مستوى الاحتمال، لا على سبيل الحكم القطعي، عل كل حال فانّ الاعتقاد بمثل هذا التأثير ليس كفراً ولا مخالفاً لاحكام الشرع، والروايات التي صرحت بالنهي عن تعلم علم النجوم ليست ناظرة لهذا الأمر البتة، كما لم يكن المنجمون السابقون يعنون بهذا الأمر في أحكامهم. والذي يستفاد من كلمات المنجمين السابقين أنّهم كانوا يقولون بالطبائع التي تشتمل عليها هذه الكواكب على أن لبعضها طبع حار وأخرى بارد وما شابه ذلك. ومما لا شك فيه ان القول بهذه الطبائع للنجوم إنّما نشئ من بعض الاستحسانات والعقائد، فكانوا يصدرون على ضوئها بعض الأحكام ويصرحون بأنّ الكواكب الفلاني سيقترب هذا الشهر من الكوكب الفلاني ولما كانت طبيعتيهما كذا وكذا فستشهد الأرض الحادثة الفلانية. وحيث يفتقر هذا الاعتقاد إلى الدليل والحكم القطعي لأنّه يقوم على أساساً الحدس والاستحسان فانّ المنجمين المسلمين إنما يذكرون هذه الامور على سبيل الاحتمال ويصرحون قائلين: يحتمل ظهور مثل هذه الحوادث.
وأخيرا الطائفة الرابعة التي ذهبت إلى أنّ أحوال الكواكب والنجوم علامات على الحوادث التي تقع في المستقبل، أو تقول جرت السنة الإلهية على وقوع الحادثة الفلانية في الكرة الأرضية إذا حدثت بعض التغييرات في الأفلاك والكواكب، دون أن تعتقد بالالوهية والربوبية لهذه الكواكب، وعليه فعقيدته لاتوجب الكفر، إلّاأنّ فعلهم حرام، لأنّ كلامهم يفتقر إلى الدليل وهو قول بغير علم ولا يستند سوى إلى الظن والوهم والخيال، وذلك لأننا نعلم أنّ الشرع يحرم كل قول يصدر من الإنسان دون أن يستند إلى علم ويقين وحجة شرعية «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» [١] كما صرح القرآن قائلًا: «أَتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ مالاتَعْلَمُونَ» [٢] وقال بشأن الكفار «وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِّعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً» [٣]. ومن جانب آخر فاننا نعلم أنّ الغيب للَّه ووحده العالم بحركة الإنسان وما يواجهه
[١] سورة الاسراء/ ٣٦.
[٢] سورة يونس/ ٦٨.
[٣] سورة النجم/ ٢٨.