نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - الغنى عن بيعة مروان
متى تسنح له الفرصة، فقد كان تبعا لهواه، ولم يك للعزة والشرف والالتزام الأخلاقي والشرعي من أهمية لديه. ثم أخبر الإمام عليه السلام عن ثلاثة أمور غيبية بشأن مروان، يكمن الأول فيها في إستيلائه على الخلافة لمدة قصيرة:
«أما إنّ له إمرةً كلعقة [١] الكلب أنفه»
فالكلب حين يزج برأسه في جيفة ليتناول ممّا فيها، يعلق مقدارا من بقايا تلك الجيفة على أنفه فيمد لها لسانه بغية تناوله وتنظيف ما علق بأنفه. ويمثل هذا التعبير بشأن قصر حكومة مروان منتهى البلاغة والفصاحة، وهو من قبيل:
«المقال المطابق لمقتضى الحال».
نعم فهو كالكلب الذي إنقض على جيفة الحكومة اللامشروعة لآل أمية، ولمدة فصيرة رآها بعض المؤرخين أربعة أشهر وعشرة أيام وقيل ستة أشهر، وأكثر مدة صرح بها المؤرخون هى تسعة أشهر، وهكذا تحققت نبوءة الإمام عليه السلام بشأنه حتى قتل على يد زوجته كما سنعرض لذلك في البحث القادم. الأمر الثاني الذي تنبأ به الإمام عليه السلام:
«و هو أبوالأكبش [٢] الأربعة»
والأكبش جمع كبش الحيوان الهائج المعروف حيث يشترك معه ولد مروان بهذه. وذهب بعض شرّاح نهجالبلاغة إلى أنّ المراد بالأكبش الأربعة من ولد مروان هم: عبدالملك الذي ولى الخلافة بعده وعبدالعزيز الذي ولي مصر وبشر في العراق وأمّا محمد فولي الجزيرة، وقد ورث كل منهم الشر عن أبيه.
وبالطبع فانّ أولاد مروان كثيرون، إلّاأنّ هؤلاء الأربعة قد ولوا الحكومة واليهم أشار الإمام عليه السلام بكلامه. بينما ذهب البعض الآخر من الشرّاح إلى أنّ المراد بالأكبش الأربعة حفدة مروان من ولد عبدالملك وهم: الوليد وسليمان ويزيد وهشام، ولم يل الخلافة من بنيأمية ولا من غيرهم أربعة إخوة إلّاهؤلاء. ومن هنا فقد رجح البعض القول الثاني لانسجامه والنبوءة الثالثة التي وردت في كلام الإمام عليه السلام:
«وستلقى الأمّة منه ومن ولده يوماً أحمر»
وهذه النبوءة هى الاخرى تحققت، وقد ولي هؤلاء الأكبش الخلافة الواحد بعد الآخر فاراقوا الدماء وقتلوا طائفة عظيمة من الأبرياء، لتحقق نبوءة الإمام عليه السلام بقوله:
«يوماً احمر»
من خلال تلك الفضائع والجرائم التي ارتكبوها، وافضل شاهد على ذلك الجنايات التي اقترفها والي الكوفة على عهد عبدالملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي.
[١] «لعقة» من مادة «لعق» على وزن لعب بمعنى لَحسه و «العقة» اسم مرة «يعني لعق أو لحس مرة واحدة».
[٢] «أكبش» جمع «كبش» بمعنى مذكر الغنم أو الخروف بأي عمر كان تطلق العرب هذه المفردة على رئيسالقوم وزعيمهم فيقال: كبش القوم وكبش الكتيبة.