مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٤ - التثليث في نظر العقل
وروح القدس هو أيضاً مالك بانفراده ـ لكامل الالوهية وانّ الالوهية بتمامها متحققة فيه دون نقصان.
هذه العبارات وما يشابهها من التوجيهات للتثليث المسيحي توحي بأنّهم يعتبرون مسألة التثليث فوق الاستدلال والبرهنة العقلية ، وأنّها بالتالي « منطقة محرمة » على العقل ، فلا يمكن الاستدلال الصحيح عليها ، بل مستند ذلك هو الوحي والنقل ليس غير.
ولهذا ينبغي ـ قبل أي شيء ـ أن نبحث أوّلاً في الأدلة النقلية ، وهم وان كانوا يستندون في هذه الفكرة إلى النقل ولكن ليس للتثليث أي مستند نقلي معتبر.
وأمّا « الأناجيل » الأربعة الفعلية فليست بمعتبرة إطلاقاً ، إذ لا تشبه الوحي بل تدل طريقة كتابتها على أنّها من بقايا أدب القرن الأوّل والثاني الميلاديين ، وهذا يعني عدم كونها متعلقة بفجر المسيحية حقيقة.
ثمّ إنّ عالم ما وراء الطبيعة وإن كان لا يمكن أن يقاس بالأُمور المادية المألوفة ولكنّه ليس بمعنى أنّ ذلك العالم فوضى وخلو من المعايير ، بل لكل مقياسه الخاص ، والدليل على ذلك انّ هناك سلسلة من القضايا العقلية التي لا تقبل النقاش والجدل تحكم في عالم المادة ، وعالم ما وراء المادة سواء كمسألة احتياج كل معلول إلى علة وكمسألة ( امتناع اجتماع النقيضين ).
إلى غير ذلك من القواعد العامة الحاكمة في عالمي المادة والمعنى.
وعلى ذلك إذا أبطلت البراهين العقلية مسألة التثليث لم يعد مجال للاستناد بالأدلة النقلية ، بل يتعين أن نعترف ببطلان النصوص هذه ، ونذعن بأنّها ليست من كلام الله ووحيه إذ كيف يجوز للوحي أن يخالف ما هو مسلم عقلاً.
إذا عرفت هذا ، حان الوقت لأن نعرف حقيقة الأمر من وجهة نظر العقل.