مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥١١ - هل الاعتقاد بالسلطة الغيبية غير المستقلة موجب للشرك ؟
فإنّنا نلاحظ ـ بجلاء ـ أنّ الله هو الجاعل ، ولكن المباشر للإهلاك هم : الملائكة ، إذن فلا مناص من تبديل كلمة التدخل والنفوذ في كلامه بكلمة « التفويض » وغيرها ممّا ينطوي على التصرّف في معزل عن أمر الله وإذنه وإرادته.
وأمّا ما نقل عنهم من أنّهم كانوا يعتقدون في حق آلهتهم « بأنّه يمكن أن تتحقق أمانيهم بواسطتها ، ويستدر النفع ، ويتجنب المضار باستشفاعهم » لا يخلو من قصور. [١].
فإن أراد أنّ النفع الأُخروي والتجنب عن الضرر الأُخروي لا يجوز سؤاله من غير الله سبحانه ، ويكون عند ذاك مثل الوثنيين الجاهليين فقد صرح القرآن بخلافه ، إذ لا شك أنّ دعاء الرسول لمؤدّي الزكاة موجب للسكن لهم ، ورافع للاضطراب عنهم ، إذ قال سبحانه :
( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ). [٢].
كما أنّ استغفار الرسول موجب لغفران الذنوب ، لقوله سبحانه :
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ). [٣].
[١] أضف إلى ذلك : أنّ العربي الجاهلي وإن كان يتجنب المضار باستشفاعهم ، إلاّ أنّ عملهم هذا كان مبنياً على القول بالوهيتهم ، ولأجل ذلك عد عملهم شركاً ، وكم فرق بين طلب دفع المضار بالاستشفاع بما أنّ الشفيع عبد مكرم يشفع بإذنه سبحانه ، أو أنّه إله يعبد ويستقل في فعله وعلى ذلك لا فرق بين الضرر الدنيوي والأُخروي ، في جوازه على الأوّل ، وعدمه على الثاني مطلقاً وكان على الأُستاذ تركيز البحث على اعتقاد السائل في حق من يطلب منه جلب النفع ودفع الضرر في أنّه هل يعتقد بالوهية المسؤول واستقلاله في الجلب والدفع أو يعتقد بعبوديته وانّه لا يجلب ولا يدفع إلاّ بإذنه ؟ يجب أن يركز على هذا لا على الفرق بين الضرر الدنيوي والأُخروي.
[٢] التوبة : ١٠٣.
[٣] النساء : ٦٤.