مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٧٢ - الشيعة الإمامية وتهمة التفويض
بفعل أو شأن من أفعال الله وشؤونه سبحانه « مستقلاً » لا ما إذا قام به بإذن الله وأمره ، إذ لا يكون عند ذاك نداً لله ، بل يكون عبداً مطيعاً له ، مؤتمراً بأمره ، منفذاً لمشيئته تعالى ، هذا وقد كان أخف ألوان الشرك وأنواعه بين اليهود والنصارى والعرب الجاهليين اعتقاد فريق منهم بأنّ الله فوّض حق التقنين والتشريع إلى الرهبان والأحبار كما يقول القرآن الكريم :
( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ ) [١].
وانّ الله فوّض حق الشفاعة والمغفرة التي هي حقوق مختصة بالله إلى أصنامهم ومعبوداتهم ، وأنّ هذه الأصنام والمعبودات مستقلّة في التصرّف في هذه الشؤون ولأجل ذلك كانوا يعبدونها ، لأجل أنّها شفعاؤهم عند الله ، وبأيديها أمر الشفاعة كما يقول سبحانه :
( وَيعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ ) [٢].
ولذلك أصرّت الآيات القرآنية على القول بأنّه لا يشفع أحد إلاّ بإذن الله ، فلو كان المشركون يعتقدون بأنّ معبوداتهم تشفع لهم بإذن الله لما كان لهذا الإصرار على مسألة متفق عليها بين المشركين ، أيُّ مبرر ، على أنّ ذلك الفريق من عرب الجاهلية الذين كانوا يعبدون الأصنام ، إنّما كانوا يعبدونها لكونها تملك شفاعتهم ، لا أنَّها خالقة لهم أو مدبّرة للكون ، وعلى أساس هذا التصوّر الباطل كانوا يعبدونها وكانوا يظنون أنّ عبادتهم لها توجب التقرّب إلى الله ، إذ قالوا :
( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَىٰ اللهِ زُلْفَىٰ ) [٣].
[١] التوبة : ٣١.
[٢] يونس : ١٨.
[٣] الزمر : ٣.