مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٣ - ١٣ الحيوانات والهداية الإلهية
أمّا أنّها لا يمكن أن تكون عن طريق الوراثة ، فلأنّ المعلومات لا يمكن أن تنتقل من أحد إلى أحد من هذا الطريق ، وإلاّ لكان ابن الطبيب طبيباً بالوراثة ، ولكان ابن العالم عالماً بالوراثة حتماً دون أن يتلقّى العلم أو الطب من أحد.
وأمّا أنّ هذه الحيوانات لا تفعل ما تفعل بتأثير الغريزة فقط ، فلأنّ الغريزة لا يمكن أن تخضع للانتخاب والاختيار ، بينما نجد كثيراً من هذه الحيوانات عندما تواجه مفترق طرق متعدّدة تختار إحداها بفعل ما تتلقّاه من الهداية والتوجيه ، وهذه الهداية التي تعين الحيوانات على الانتخاب والاختيار هو ما يسمّى في منطق القرآن بالوحي أو ما سمّاه بعض العلماء ب « الإلهام » [١].
ونمثّل لهذا الأمر بما جاء حول النحل في القرآن الكريم ، إذ يقول :
( وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوم يَتَفَكَّرُونَ ) [٢].
فحشرة النحل الصانعة لألذ الأشياء وأطيبها ، نعني : العسل ، تبدأ عملها منذ أن تخرج من البيض دون تعب وملل ، وفي ذكاء مفرط ، وانضباطية فائقة.
فتختار ـ في ذكاء ـ أفضل وأطيب الزهور وتمتص عصارتها بنحو عجيب ، وتصنع للبشر شهداً من أطيب الشهد.
وتصنع بيوتها سداسية الشكل في نظم لا يخطئ ، وعلى فواصل دقيقة لا تزيد ولا تنقص.
[١] راجع كتاب العلم يدعو للإيمان : ١١٦.
[٢] النحل : ٦٨ ـ ٦٩.