مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٠ - ١١ برهان الصدّيقين معرفة الله عن طريق معرفة الوجود
عليه. لكن هذا أوثق وأشرف ، أي إذا اعتبرنا حال « الموجود » فشهد به الوجود من حيث هو وجود ، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الواجب.
وإلى مثل هذا أُشير في الكتاب الإلهي في قوله سبحانه : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ ).
أقول : إنّ هذا حكم لقوم ، ثم يقول : ( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) إنّ هذا حكم للصدّيقين الذين يستشهدون به لا عليه [١].
هذا ولإكمال البحث نذكر نقطتين هما :
١. لقد جرى الحديث في البرهان المذكور عن بطلان « الدور والتسلسل » ولابد أن نورد هنا التوضيحات اللازمة لمن لا يعرف شيئاً عن هذين المصطلحين وعلة بطلانهما :
ألف. الدور هو أن نفترض موجودين باسم (أ) و (ب) ونعتبر كلا منهما علة لوجود الآخر.
فعندما نلاحظ (أ) نجد أنّ وجوده متوقف على (ب) بمعنى أنّ (ب) كان موجوداً قبل ذلك ليمكنه أن يوجد (أ).
ثم إذا لاحظنا (ب) نجد أن وجوده متوقف على (أ) بمعنى أنّ (أ) كان موجوداً قبل ذلك ليمكنه ايجاد (ب).
ومن الطبيعي أنّ هذا الفرض باطل قطعاً ، لأنّ معنى هذا الفرض هو أن يكون وجود كل واحد منهما متوقفاً على وجود الآخر ومشروطاً بوجوده بحيث يمتنع وجوده ما لم يتحقق وجود ذلك الآخر ، لأنّ التحقّق السابق لكل واحد منهما
[١] الإشارات : ٣ / ٦٦.