البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٠ - ثم دخلت سنة ثلاث و ستين
فقالوا: يا عدو اللَّه! لو أردت ذلك لما مكناك منه، أ نحن نذركم تذهبون فتلحدون في بيت اللَّه الحرام؟ ثم تهيأوا للقتال، و قد كانوا اتخذوا خندقا بينهم و بين ابن عقبة، و جعلوا جيشهم أربعة أرباع على كل ربع أمير، و جعلوا أجمل الأرباع الربع الّذي فيه عبد اللَّه بن حنظلة الغسيل، ثم اقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزم أهل المدينة إليها. و قد قتل من الفريقين خلق من السادات و الأعيان، منهم عبد اللَّه بن مطيع و بنون له سبعة بين يديه، و عبد اللَّه بن حنظلة الغسيل، و أخوه لأمه محمد بن ثابت بن شماس، و محمد بن عمرو بن حزم، و قد مر به مروان و هو مجندل فقال: رحمك اللَّه فكم من سارية قد رأيتك تطيل عندها القيام و السجود.
ثم أباح مسلم بن عقبة، الّذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة- قبحه اللَّه من شيخ سوء ما أجهله- المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد، لا جزاه اللَّه خيرا، و قتل خلقا من أشرافها و قرّائها و انتهب أموالا كثيرة منها، و وقع شرّ عظيم و فساد عريض على ما ذكره غير واحد. فكان ممن قتل بين يديه صبرا معقل بن سنان، و قد كان صديقه قبل ذلك، و لكن أسمعه في يزيد كلاما غليظا فنقم عليه بسببه، و استدعى بعلي بن الحسين فجاء يمشى بين مروان بن الحكم و ابنه عبد الملك، ليأخذ له بهما عنده أمانا، و لم يشعر أن يزيد أوصاه به، فلما جلس بين يديه استدعى مروان بشراب-
و قد كان مسلم بن عقبة حمل معه من الشام ثلجا إلى المدينة فكان يشاب له بشرابه- فلما جيء بالشراب شرب مروان قليلا ثم أعطى الباقي لعلى بن الحسين ليأخذ له بذلك أمانا، و كان مروان مواداً لعلى ابن الحسين، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قد أخذ الإناء في يده قال له: لا تشرب من شرابنا، ثم قال له: إنما جئت مع هذين لتأمن بهما؟ فارتعدت يد على بن الحسين و جعل لا يضع الإناء من يده و لا يشربه، ثم قال له: لو لا أن أمير المؤمنين أوصاني بك لضربت عنقك، ثم قال له: إن شئت أن تشرب فاشرب، و إن شئت دعونا لك بغيرها، فقال: هذه الّذي في كفى أريد، فشرب ثم قال له مسلم بن عقبة: قم إلى هاهنا فاجلس، فأجلسه معه على السرير و قال له: إن أمير المؤمنين أوصاني بك، و إن هؤلاء شغلونى عنك. ثم قال لعلى بن الحسين: لعل أهلك فزعوا، فقال: إي و اللَّه.
فأمر بدابته فأسرجت ثم حمله عليها حتى ردّه إلى منزله مكرما. ثم استدعى بعمرو بن عثمان بن عفان- و لم يكن خرج مع بنى أمية- فقال له: إنك إن ظهر أهل المدينة قلت أنا معكم، و إن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين، ثم أمر به فنتفت لحيته بين يديه- و كان ذا لحية كبيرة- قال المدائني: و أباح مسلّم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام، يقتلون من وجدوا من الناس، و يأخذون الأموال. فأرسلت سعدى بنت عوف المرية إلى مسلم بن عقبة تقول له: أنا بنت عمك فمر أصحابك أن لا يتعرضوا لإبلنا بمكان كذا و كذا، فقال لأصحابه: لا تبدءوا إلا بأخذ إبلها أولا. و جاءته امرأة فقالت: