البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٨ - فصل
سبلا، ما بايعتم بعد بيعة عليّ أهدى منها. ثم نزل فدخل الناس يبايعونه على كتاب اللَّه و سنة رسوله، و الطلب بثأر أهل البيت و جاء رجل إلى المختار فأخبره أن ابن مطيع في دار أبى موسى، فأراه أنه لا يسمع قوله، فكرر ذلك ثلاثا فسكت الرجل، فلما كان الليل بعث المختار إلى ابن مطيع بمائة ألف درهم. و قال له: اذهب فقد أخذت بمكانك- و كان له صديقا قبل ذلك- فذهب ابن مطيع إلى البصرة و كره أن يرجع إلى ابن الزبير و هو مغلوب، و شرع المختار يتحبب إلى الناس بحسن السيرة، و وجد في بيت المال تسعة آلاف ألف، فأعطى الجيش الذين حضروا معه القتال نفقات كثيرة، و استعمل على شرطته عبد اللَّه بن كامل اليشكري، و قرب أشراف الناس فكانوا جلساءه، فشق ذلك على الموالي الذين قاموا بنصره، و قالوا: لأبى عمرة كيسان مولى غزينة- و كان على حرسه- قدم و اللّه أبو إسحاق العرب و تركنا، فانتهى ذلك أبو عمرة إليه، فقال: بل هم منى و أنا منهم، ثم قال إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ فقال لهم أبو عمرة: أبشروا فإنه سيدنيكم و يقربكم.
فأعجبهم ذلك و سكتوا.
ثم إن المختار بعث الأمراء إلى النواحي و البلدان و الرساتيق، من أرض العراق و خراسان، و عقد الألوية و الرايات، و قرر الامارة و الولايات، و جعل يجلس للناس غدوة و عشية يحكم بينهم، فلما طال ذلك عليه استقضى شريحا فتكلم في شريح طائفة من الشيعة، و قالوا: إنه شهد حجر بن عدي، و إنه لم يبلغ عن هانئ بن عروة كما أرسله به، و قد كان على بن أبى طالب عزله عن القضاء. فلما بلغ شريحا ذلك تمارض و لزم بيته، فجعل المختار مكانه عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، ثم عزله و جعل مكانه عبد اللَّه بن مالك الطائي قاضيا.
فصل
ثم شرع المختار يتتبع قتلة الحسين من شريف و وضيع فيقتله، و كان سبب ذلك أن عبيد اللَّه ابن زياد كان قد جهزه مروان من دمشق ليدخل الكوفة، فان ظفر بها فليبحها ثلاثة أيام، فسار ابن زياد قاصدا الكوفة، فلقى جيش التوابين فكان من أمرهم ما تقدم. ثم سار من عين وردة حتى انتهى إلى الجزيرة فوجد بها قيس غيلان، و هم من أنصار ابن الزبير، و قد كان مروان أصاب منهم قتلى كثيرة يوم مرج راهط، فهم إلب عليه، و على ابنه عبد الملك من بعده، فتعوق عن المسير سنة و هو في حرب قيس غيلان بالجزيرة، ثم وصل إلى الموصل فانحاز نائبها عنه إلى تكريت، و كتب إلى المختار يعلمه بذلك فندب المختار يزيد بن أنس في ثلاثة آلاف اختارها، و قال له: إني سأمدك بالرجال بعد الرجال، فقال له: لا تمدني إلا بالدعاء. و خرج معه المختار إلى ظاهر الكوفة فودعه و دعا له