البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٣ - أم المؤمنين عائشة بنت أبى بكر الصديق
من الرجال كثير و لم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، و خديجة بنت خويلد، و آسية امرأة فرعون، و فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»
و قد استدل كثير من العلماء ممن ذهب إلى تفضيل عائشة على خديجة بهذا الحديث، قال: فإنه دخل فيه سائر النساء الثلاث المذكورات و غيرهن، و يعضد ذلك أيضا الحديث الّذي
رواه البخاري: حدثنا إسماعيل بن خليل ثنا على بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت: «استأذنت هالة بنت خويلد- أخت خديجة- على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: اللَّهمّ هالة، قالت عائشة: فغرت و قلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر الأول، قد أبدلك اللَّه خيرا منها؟» هكذا رواه البخاري، فأما ما يروى فيه من الزيادة: «و اللَّه ما أبدلني خيرا منها» فليس يصح سندها.
و قد ذكرنا ذلك مطولا عند وفاة خديجة، و ذكرنا حجة من ذهب إلى تفضيلها على عائشة بما أغنى عن إعادته هاهنا.
و روى البخاري عن عائشة أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال يوما: «يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: و (عليه السلام) و رحمة اللَّه و بركاته، ترى ما لا أرى»
و ثبت في صحيح البخاري أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، فاجتمع أزواجه إلى أم سلمة و قلن لها: قولي له يأمر الناس أن يهدوا له حيث كان، فقالت أم سلمة: فلما دخل عليّ قلت له ذلك فأعرض عنى، ثم قلن لها ذلك فقالت له فأعرض عنها، ثم لما دار إليها قالت له
فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه و اللَّه ما نزل عليّ الوحي في بيت و أنا في لحاف امرأة منكن غيرها»
و ذكر أنهن بعثن فاطمة ابنته إليه فقالت: «إن نساءك ينشدونك العدل في ابنة أبى بكر بن أبى قحافة، فقال: يا بنية ألا تحبين من أحب؟ قالت: قلت بلى! قال: فأحبى هذه». ثم بعثن زينب بنت جحش فدخلت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و عنده عائشة فتكلمت زينب و نالت من عائشة، فانتصرت عائشة منها و كلمتها حتى أفحمتها، فجعل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ينظر إلى عائشة و يقول: «إنها ابنة أبى بكر».
و ذكرنا أن عمارا لما جاء يستصرخ الناس و يستنفرهم إلى قتال طلحة و الزبير أيام الجمل، صعد هو و الحسن بن عليّ على منبر الكوفة، فسمع عمار رجلا ينال من عائشة فقال له:
اسكت مقبوحا منبوذا، و اللَّه إنها لزوجة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الدنيا و في الآخرة، و لكن اللَّه ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أو إياها. و قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة ثنا عبد اللَّه بن خثيم حدثني عبد اللَّه بن أبى مليكة أنه حدثه ذكوان- حاجب عائشة- أنه جاء عبد اللَّه بن عباس يستأذن على عائشة فجئت- و عند رأسها عبد اللَّه بن أخيها عبد الرحمن- فقلت: هذا ابن عباس يستأذن، فأكب عليها ابن أخيها عبد اللَّه فقال: هذا عبد اللَّه بن عباس يستأذن- و هي تموت- فقالت: دعني من ابن عباس، فقال: يا أماه!! إن ابن عباس من صالح بنيك يسلّم عليك