البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢ - رفاعة بن رافع
خروج طائفة من الخوارج عليه
و كان سبب ذلك أن معاوية لما دخل الكوفة و خرج الحسن و أهله منها قاصدين إلى الحجاز، قالت فرقة من الخوارج- نحو من خمسمائة-: جاء ما لا يشك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه، فساروا حتى قربوا من الكوفة و عليهم فروة بن نوفل، فبعث إليهم معاوية خيلا من أهل الشام فطردوا الشاميين، فقال معاوية: لا أمان لكم عندي حتى تكفوا بوائقكم، فخرجوا إلى الخوارج فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون؟ أ ليس معاوية عدوكم و عدونا؟ فدعونا حتى نقاتله فان أصبناه كنا قد كفيناكموه، و إن أصبنا كنتم قد كفيتمونا. فقالوا: لا و اللَّه حتى نقاتلكم، فقالت الخوارج: يرحم اللَّه إخواننا من أهل النهروان كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، فاقتتلوا فهزمهم أهل الكوفة و طردوهم، ثم إن معاوية أراد أن يستخلف على الكوفة عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فقال له المغيرة بن شعبة:
أ توليه الكوفة و أباه مصر و تبقى أنت بين لحيي الأسد؟ فثناه عن ذلك و ولى عليها المغيرة بن شعبة، فاجتمع عمرو بن العاص بمعاوية فقال: أ تجعل المغيرة على الخراج؟ هلا و ليت الخراج رجلا آخر؟
فعزله عن الخراج و ولاه على الصلاة، فقال المغيرة لعمرو في ذلك، فقال له: أ لست المشير على أمير المؤمنين في عبد اللَّه بن عمرو؟ قال: بلى! قال: فهذه بتلك. و في هذه السنة وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها و تغلب عليها، فبعث معاوية جيشا ليقتلوه و من معه، فجاء أبو بكرة الثقفي إلى معاوية فسأله في الصفح و العفو، فعفا عنهم و أطلقهم و ولى على البصرة بسر بن أبى أرطاة، فتسلط على أولاد زياد يريد قتلهم، و ذلك أن معاوية كتب إلى أبيهم ليحضر إليه فلبث، فكتب إليه بسر: لئن لم تسرع إلى أمير المؤمنين و إلا قتلت بنيك، فبعث أبو بكرة إلى معاوية في ذلك.
و قد قال معاوية لأبى بكرة: هل من عهد تعهده إلينا؟ قال: نعم! أعهد إليك يا أمير المؤمنين أن تنظر لنفسك و رعيتك و تعمل صالحا فإنك قد تقلدت عظيما، خلافة اللَّه في خلقه، فاتق اللَّه فان لك غاية لا تعدوها، و من ورائك طالب حثيث و أوشك أن يبلغ المدى فيلحق الطالب فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه و هو أعلم به منك، و إنما هي محاسبة و توقيف، فلا تؤثرن على رضا اللَّه شيئا.
ثم ولى معاوية في آخر هذه السنة البصرة لعبد اللَّه بن عامر، و ذلك أن معاوية أراد أن يوليها لعتبة بن أبى سفيان فقال له ابن عامر: إن لي بها أموالا و ودائع، و إن لم تولينها هلكت، فولاه إياها و أجابه إلى سؤاله في ذلك. قال أبو معشر: و حج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبى سفيان، و قال الواقدي:
إنما حج بهم عنبسة بن أبى سفيان فاللَّه أعلم.
و من أعيان من توفى في هذا العام
رفاعة بن رافع
ابن مالك بن العجلان شهد العقبة و بدرا و ما بعد ذلك.