البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٥ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
لرأى أريت، و لئن كان باطلا إنه لخديعة أديت. قال: فمرني يا أمير المؤمنين بما شئت، قال:
لا آمرك و لا أنهاك. فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه؟! فقال عمر: لحسن موارده و مصادره جشمناه ما جشمناه. و في رواية أن معاوية تلقى عمر حين قدم الشام، و معاوية في موكب كثيف، فاجتاز بعمر و هو و عبد الرحمن بن عوف راكبان على حمار، و لم يشعر بهما، فقيل له: إنك جاوزت أمير المؤمنين، فرجع، فلما رأى عمر ترجل و جعل يقول له ما ذكرنا، فقال عبد الرحمن بن عوف: ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين!؟ فقال: من أجل ذلك جشمناه ما جشمناه.
و قال عبد اللَّه بن المبارك في كتاب الزهد: أخبرنا محمد بن ذئب عن مسلم بن جندب عن أسلم مولى عمر قال: قدم علينا معاوية و هو أبيض نص وبّاص، أبضّ الناس و أجملهم، فخرج إلى الحج مع عمر، فكان عمر ينظر إليه فيعجب منه، ثم يضع إصبعه على متن معاوية ثم يرفعها عن مثل الشراك، فيقول: بخ بخ، نحن إذاً خير الناس، أن جمع لنا خير الدنيا و الآخرة. فقال معاوية:
يا أمير المؤمنين سأحدثك أنا بأرض الحمامات و الريف و الشهوات، فقال عمر: سأحدثك ما بك إلا إلطافك نفسك بأطيب الطعام و تصبحك حتى تضرب الشمس متنيك، و ذوو الحاجات وراء الباب.
فقال: يا أمير المؤمنين علمني أمتثل. قال: فلما جئنا ذا طوى أخرج معاوية حلة فلبسها، فوجد عمر منها ريحاً كأنه ريح طيب، فقال: يعمد أحدكم فيخرج حاجا مقلا حتى إذا جاء أعظم بلدان اللَّه حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما؟! فقال معاوية: إنما لبستهما لأدخل فيهما على عشيرتي و قومي، و اللَّه لقد بلغني أذاك هاهنا و بالشام، فاللَّه يعلم أنى لقد عرفت الحياء فيه، ثم نزع معاوية ثوبيه و لبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما.
و قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني أبى عن هشام بن محمد عن أبى عبد الرحمن المدني. قال:
كان عمر بن الخطاب إذا رأى معاوية قال: هذا كسرى العرب. و هكذا حكى المدائني عن عمر أنه قال ذلك. و قال عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده. قال: دخل معاوية على عمر و عليه حلة خضراء، فنظر إليها الصحابة، فلما رأى ذلك عمر وثب إليه بالدرة فجعل يضربه بها، و جعل معاوية يقول: يا أمير المؤمنين اللَّه اللَّه في، فرجع عمر إلى مجلسه فقال له القوم: لم ضربته يا أمير المؤمنين؟
و ما في قومك مثله؟ فقال: و اللَّه ما رأيت إلا خيراً، و ما بلغني إلا خير، و لو بلغني غير ذلك لكان منى إليه غير ما رأيتم، و لكن رأيته- و أشار بيده- فأحببت أن أضع منه ما شمخ. و قد قال أبو داود:
حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقيّ ثنا يحيى بن حمزة ثنا ابن أبى مريم أن القاسم بن مخيمرة أخبره أن أبا مريم الأزدي أخبره. قال: دخلت على معاوية فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان- و هي كلمة تقولها