البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥١ - قصة الحسين بن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنهما و سبب خروجه بأهله من مكة إلى العراق في طلب الامارة و كيفية مقتله رضى اللَّه عنه
لا يعطيكماها أحد قبلي و لا بعدي، فقال الحسين: و اللَّه لن تعطى أنت و لا أحد قبلك و لا بعدك رجلا أفضل منا.
و لما توفى الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه و يكرمه، و قد كان في الجيش الذين غزوا القسطنطينية مع ابن معاوية يزيد، في سنة إحدى و خمسين. و لما أخذت البيعة ليزيد في حياة معاوية كان الحسين ممن امتنع من مبايعته هو و ابن الزبير و عبد الرحمن بن أبى بكر و ابن عمر و ابن عباس، ثم مات ابن أبى بكر و هو مصمم على ذلك، فلما مات معاوية سنة ستين و بويع ليزيد، بايع ابن عمر و ابن عباس، و صمم على المخالفة الحسين و ابن الزبير، و خرجا من المدينة فارين إلى مكة فأقاما بها، فعكف الناس على الحسين يفدون إليه و يقدمون عليه و يجلسون حواليه، و يستمعون كلامه، حين سمعوا بموت معاوية و خلافة يزيد، و أما ابن الزبير فإنه لزم مصلاه عند الكعبة، و جعل يتردد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، و لا يمكنه أن يتحرك بشيء مما في نفسه مع وجود الحسين، لما يعلم من تعظيم الناس له و تقديمهم إياه عليه، غير أنه قد تعينت السرايا و البعوث إلى مكة بسببه، و لكن أظفره اللَّه بهم كما تقدم ذلك آنفا، فانقشعت السرايا عن مكة مفلولين و انتصر عبد اللَّه بن الزبير على من أراد هلاكه من اليزيديين، و ضرب أخاه عمراً و سجنه و اقتص منه و أهانه، و عظم شأن ابن الزبير عند ذلك ببلاد الحجاز، و اشتهر أمره و بعد صيته، و مع هذا كله ليس هو معظماً عند الناس مثل الحسين، بل الناس إنما ميلهم إلى الحسين لانه السيد الكبير، و ابن بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فليس على وجه الأرض يومئذ أحد يساميه و لا يساويه، و لكن الدولة اليزيدية كانت كلها تناوئه.
و قد كثر ورود الكتب عليه من بلاد العراق يدعونه إليهم- و ذلك حين بلغهم موت معاوية و ولاية يزيد، و مصير الحسين إلى مكة فراراً من بيعة يزيد- فكان أول من قدم عليه عبد اللَّه بن سبع الهمدانيّ، و عبد اللَّه بن وال، معهما كتاب فيه السلام و التهنئة بموت معاوية، فقدما على الحسين لعشر مضين من رمضان من هذه السنة، ثم بعثوا بعدهما نفرا منهم قيس بن مسهر الصدائى، و عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الكواء الأرحبي، و عمارة بن عبد اللَّه السلولي، و معهم نحو من مائة و خمسين كتابا إلى الحسين، ثم بعثوا هانئ بن هانئ السبيعي و سعيد بن عبد اللَّه الحنفي و معهما كتاب فيه الاستعجال في السير إليهم، و كتب إليه شيث بن ربعي، و حجار بن أبجر، و يزيد بن الحارث ابن رويم، و عمرو بن حجاج الزبيدي، و محمد بن عمر بن يحيى التميمي: أما بعد فقد اخضرت الجنان و أينعت الثمار و لطمت الجمام، فإذا شئت فأقدم على جند لك مجندة و السلام عليك. فاجتمعت الرسل كلها بكتبها عند الحسين، و جعلوا يستحثونه و يستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضا عن يزيد بن معاوية، و يذكرون في كتبهم أنهم فرحوا بموت معاوية، و ينالون منه و يتكلمون في دولته، و أنهم