البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٤ - مقتل عمر بن سعد بن أبى وقاص و هو أمير الجيش الذين قتلوا الحسين
حفص- و كان جالسا عند المختار- فقال: أ تعرف هذا الرأس؟ فاسترجع و قال: نعم و لا خير في العيش بعده، فقال: صدقت، ثم أمر فضربت عنقه و وضع رأسه مع رأس أبيه، ثم قال المختار: هذا بالحسين و هذا بعلي بن الحسين الأكبر، و لا سواء، و اللَّه لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله. ثم بعث المختار برأسيهما إلى محمد بن الحنفية، و كتب إليه كتابا في ذلك بسم اللَّه الرحمن الرحيم إلى محمد بن على من المختار بن أبى عبيد، سلام عليك أيها المهدي فانى أحمد إليك اللَّه الّذي لا إله إلا هو، أما بعد فان اللَّه بعثني نقمة على أعدائكم فهم بين قتيل و أسير و طريد و شريد، فالحمد للَّه الّذي قتل قاتلكم، و نصر مؤازركم، و قد بعثت إليك برأس عمر بن سعد و ابنه و قد قتلنا ممن اشترك في دم الحسين و أهل بيته كل من قدرنا عليه، و لن يعجز اللَّه من بقي، و لست بمنحجم عنهم حتى يبلغني أنه لم يبق على وجه الأرض منهم أحد، فاكتب إلى أيها المهدي برأيك أتبعه و أكون عليه، و السلام عليك أيها المهدي و (رحمه اللَّه) و بركاته. و لم يذكر ابن جرير أن محمد بن الحنفية رد جوابه، مع أن ابن جرير قد تقصى هذا الفصل و أطال شرحه، و يظهر من غبون كلامه قوة و جده به و غرامة، و لهذا توسع في إيراده بروايات أبى مخنف لوط بن يحيى، و هو متهم فيما يرويه، و لا سيما في باب التشيع، و هذا المقام للشيعة فيه غرام و أي غرام، إذ فيه الأخذ بثأر الحسين و أهله من قتلتهم، و الانتقام منهم، و لا شك أن قتل قتلته كان متحتما، و المبادرة إليه كان مغنما، و لكن إنما قدره اللَّه على يد المختار الكذاب الّذي صار بدعواه إتيان الوحي إليه كافرا، و
قد قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «إن اللَّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».
و قال تعالى في كتابه الّذي هو أفضل ما يكتبه الكاتبون وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ و قال بعض الشعراء:-
و ما من يد إلا يد اللَّه فوقها* * * و لا ظالم إلا سيبلى بظالم
و سيأتي في ترجمة المختار ما يدل على كذبه و افترائه، و ادعائه نصرة أهل البيت، و هو في نفس الأمر متستر بذلك ليجمع عليه رعاعا من الشيعة الذين بالكوفة، ليقيم لهم دولة و يصول بهم و يجول على مخالفيه صولة.
ثم إن اللَّه تعالى سلط عليه من انتقم منه،
و هذا هو الكذاب الّذي قال فيه الرسول في حديث أسماء بنت الصديق: «إنه سيكون في ثقيف كذاب و مبير».
فهذا هو الكذاب و هو يظهر التشيع و أما المبير فهو الحجاج بن يوسف الثقفي، و قد ولى الكوفة من جهة عبد الملك بن مروان كما سيأتي، و كان الحجاج عكس هذا، كان ناصبيا جلدا ظالما غاشما، و لكن لم يكن في طبقة هذا، متهم على دين الإسلام و دعوة النبوة، و إنه يأتيه الوحي من العلى العلام.
قال ابن جرير: و في هذه السنة بعث المختار المثنى بن مخرمة العبديّ إلى البصرة يدعو إليه من