البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٩ - حويطب بن عبد العزى العامري
حكيم: و الّذي بعثك بالحق لا أرزأ بعدك أبدا، فلم يرزأ أحدا بعده، و كان أبو بكر يعرض عليه العطاء فيأبى، و كان عمر يعرض عليه العطاء فيأبى فيشهد عليه المسلمين، و مع هذا كان من أغنى الناس، مات الزبير يوم مات و لحكيم عليه مائة ألف، و قد كان بيده حين أسلم الرفادة و دار الندوة فباعها بعد من معاوية بمائة ألف، و في رواية بأربعين ألف دينار، فقال له ابن الزبير: بعت مكرمة قريش؟ فقال له حكيم: ابن أخى ذهبت المكارم فلا كرم إلا التقوى، يا ابن أخى إني اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، و لأشترين بها دارا في الجنة، أشهدك أنى قد جعلتها في سبيل اللَّه، و هذه الدار كانت لقريش بمنزلة دار العدل، و كان لا يدخلها أحد إلا و قد صار سنه أربعين سنة، إلا حكيم بن حزام فإنه دخلها و هو ابن خمس عشرة سنة، ذكره الزبير بن بكار، و ذكر الزبير أن حكيما حج عاما فأهدى مائة بدنة مجللة، و ألف شاة، و أوقف معه بعرفات مائة و صيف في أعناقهم أطوقة الفضة، و قد نقش فيها: هؤلاء عتقاء اللَّه عن حكيم بن حزام، فأعتقهم و أهدى جميع تلك الأنعام رضى اللَّه عنه.
توفى حكيم في هذه السنة على الصحيح، و قيل غير ذلك و له مائة و عشرون سنة.
حويطب بن عبد العزى العامري
صحابى جليل، أسلم عام الفتح، و كان قد عمر دهرا طويلا، و لهذا جعله عمر في النفر الذين جددوا أنصاب الحرم، و قد شهد بدرا مع المشركين، و رأى الملائكة يومئذ بين السماء و الأرض، و شهد الحديبيّة و سعى في الصلح، فلما كان عمرة القضاء كان هو و سهيل هما اللذان أمرا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالخروج من مكة، فأمر بلالا أن لا تغرب الشمس و بمكة أحد من أصحابه، قال: و في كل هذه المواطن أهم بالإسلام و يأبى اللَّه إلا ما يريد، فلما كان زمن الفتح خفت خوفا شديدا و هربت فلحقني أبو ذر- و كان لي خليلا في الجاهلية-. فقال: يا حويطب مالك؟ فقلت: خائف، فقال: لا تخلف فإنه أبر الناس: و أوصل الناس، و أنا لك جار فاقدم معى، فرجعت معه فوقف بى على رسول اللَّه و هو بالبطحاء و معه أبو بكر و عمر،
و قد علمني أبو ذر أن أقول: السلام عليك أيها النبي و رحمة اللَّه و بركاته، فلما قلت ذلك قال: «حويطب»؟ قلت: نعم! أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنك رسول اللَّه، فقال:
«الحمد للَّه الّذي هداك»
و سر بذلك و استقرضنى مالا فأقرضته أربعين ألفا، و شهدت معه حنينا و الطائف، و أعطانى من غنائم حنين مائة بعير. ثم قدم حويطب بعد ذلك المدينة فنزلها و له بها دار، و لما ولى عليها مروان بن الحكم جاءه حويطب و حكيم بن حزام، و مخرمة بن نوفل، فسلموا عليه و جعلوا يتحدثون عنده ثم تفرقوا، ثم اجتمع حويطب بمروان يوما آخر فسأله مروان عن عمره فأخبره، فقال له: تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث. فقال حويطب: اللَّه المستعان، و اللَّه لقد هممت بالإسلام غير مرة كل ذلك يعوقنى أبوك يقول تضع شرفك و تدع دين آبائك لدين