البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٩ - مصعب بن عبد الرحمن بن عوف
عن المنبر و حاولوا أن يوفقوا بين الأميرين فلم يتفق لهم ذلك، ثم ظهرت الشيعة أصحاب سليمان بن صرد بالسلاح، و أظهروا ما كان في أنفسهم من الخروج على الناس، و ركبوا مع سليمان بن صرد فقصدوا نحو الجزيرة، و كان من أمرهم ما سنذكره.
و أما المختار بن عبيد الثقفي الكذاب فإنه قد كان بغيضا إلى الشيعة من يوم طعن الحسين و هو ذاهب إلى الشام بأهل العراق، فلجأ إلى المدائن، فأشار المختار على عمه و هو نائب المدائن بأن يقبض على الحسين و يبعثه إلى معاوية فيتخذ بذلك عنده اليد البيضاء، فامتنع عم المختار من ذلك، فأبغضته الشيعة بسبب ذلك، فلما كان من أمر مسلم بن عقيل ما كان و قتله ابن زياد، كان المختار يومئذ بالكوفة فبلغ ابن زياد أنه يقول: لأقومن بنصرة مسلم و لآخذن بثأره، فأحضره بين يديه و ضرب عينه بقضيب كان بيده فشترها، و أمر بسجنه، فلما بلغ أخته سجنه بكت و جزعت عليه، و كانت تحت عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع عنده في إخراج المختار من السجن، فبعث يزيد إلى ابن زياد: أن ساعة وقوفك على هذا الكتاب تخرج المختار بن عبيد من السجن، فلم يمكن ابن زياد غير ذلك، فأخرجه و قال له: إن وجدتك بعد ثلاثة أيام بالكوفة ضربت عنقك. فخرج المختار إلى الحجاز و هو يقول: و اللَّه لأقطعن أنامل عبيد اللَّه بن زياد، و لأقتلن بالحسين بن على على عدد من قتل بدم يحيى بن زكريا. فلما استفحل أمر عبد اللَّه بن الزبير بايعه المختار بن عبيد، و كان من كبار الأمراء عنده، و لما حاصره الحصين بن نمير مع أهل الشام قاتل المختار دون ابن الزبير أشد القتال، فلما بلغه موت يزيد بن معاوية و اضطراب أهل العراق، نقم على ابن الزبير في بعض الأمر و خرج من الحجاز فقصد الكوفة فدخلها في يوم الجمعة و الناس يتهيئون للصلاة، فجعل لا يمر بملإ إلا سلم عليه و قال: أبشروا بالنصر. و دخل المسجد فصلى إلى سارية هنالك حتى أقيمت الصلاة، ثم صلى من بعد الصلاة حتى صليت العصر، ثم انصرف فسلم عليه الناس و أقبلوا إليه و عليه و عظموه، و جعل يدعو إلى إمامة المهدي محمد بن الحنفية، و يظهر الانتصار لأهل البيت، و أنه ما جاء إلا بصدد أن يقيم شعارهم، و يظهر منارهم، و يستوفي ثأرهم، و يقول للناس الذين اجتمعوا على سليمان بن صرد من الشيعة- و قد خشي أن يبادروا إلى الخروج مع سليمان- فجعل يخذّلهم و يستميلهم إليه و يقول لهم: إني قد جئتكم من قبل ولى الأمر، و معدن الفضل، و وصى الرضى، و الامام المهدي، بأمر فيه الشفاء، و كشف الغطاء، و قتل الأعداء، و تمام النعماء، و أن سليمان بن صرد يرحمنا اللَّه و إياه إنما هو غشمة من الغشم، و شن بال ليس بذي تجربة للأمور، و لا له علم بالحروب، إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه و يقتلكم، و إني إنما أعمل على مثل مثل لي، و أمر قد بين لي، فيه عز وليكم، و قتل عدوكم، و شفاء صدوركم، فاسمعوا منى و أطيعوا أمرى، ثم أبشروا