البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٢ - قصة الحسين بن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنهما و سبب خروجه بأهله من مكة إلى العراق في طلب الامارة و كيفية مقتله رضى اللَّه عنه
لما يبايعوا أحدا إلى الآن، و أنهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدموك عليهم، فعند ذلك بعث ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبى طالب إلى العراق، ليكشف له حقيقة هذا الأمر و الاتفاق، فان كان متحتما و أمرا حازماً محكما بعث إليه ليركب في أهله و ذويه، و يأتى الكوفة ليظفر بمن يعاديه، و كتب معه كتابا إلى أهل العراق بذلك، فلما سار مسلم من مكة اجتاز بالمدينة فأخذ منها دليلين فسارا به على براري مهجورة المسالك، فكان أحد الدليلين منهما أول هالك، و ذلك من شدة العطش، و قد أضلوا الطريق فهلك الدليل الواحد بمكان يقال له المضيق، من بطن خبيت، فتطير به مسلم بن عقيل، فتلبث مسلم على ما هنالك و مات الدليل الآخر فكتب إلى الحسين يستشيره في أمره، فكتب إليه يعزم عليه أن يدخل العراق، و أن يجتمع بأهل الكوفة ليستعلم أمرهم و يستخبر خبرهم.
فلما دخل الكوفة نزل على رجل يقال له مسلم بن عوسجة الأسدي، و قيل نزل في دار المختار ابن أبى عبيد الثقفي فاللَّه أعلم. فتسامع أهل الكوفة بقدومه فجاءوا إليه فبايعوه على إمرة الحسين، و حلفوا له لينصرنه بأنفسهم و أموالهم، فاجتمع على بيعته من أهلها اثنا عشر ألفا، ثم تكاثروا حتى بلغوا ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين ليقدم عليها فقد تمهدت له البيعة و الأمور، فتجهز الحسين من مكة قاصدا الكوفة كما سنذكره. و انتشر خبرهم حتى بلغ أمير الكوفة النعمان بن بشير خبّره رجل بذلك، فجعل يضرب عن ذلك صفحاً و لا يعبأ به، و لكنه خطب الناس و نهاهم عن الاختلاف و الفتنة، و أمرهم بالائتلاف و السنة، و قال: إني لا أقاتل من لا يقاتلني، و لا أثب على من لا يثب عليّ، و لا آخذكم بالظنة، و لكن و اللَّه الّذي لا إله إلا هو لئن فارقتم إمامكم و نكثتم بيعته لأقاتلنكم ما دام في يدي من سيفي قائمته. فقام إليه رجل يقال له عبد اللَّه بن مسلم بن شعبة الحضرميّ فقال له: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالغشمة، و إن الّذي سلكته أيها الأمير مسلك المستضعفين.
فقال له النعمان: لأن أكون من المستضعفين في طاعة اللَّه أحب إلى من أن أكون من الأقوياء الأعزين في معصية اللَّه. ثم نزل فكتب ذلك الرجل إلى يزيد يعلمه بذلك، و كتب إلى يزيد عمارة ابن عقبة و عمرو بن سعد بن أبى وقاص، فبعث يزيد فعزل النعمان عن الكوفة و ضمها إلى عبيد اللَّه ابن زياد مع البصرة، و ذلك بإشارة سرجون مولى يزيد بن معاوية، و كان يزيد يستشيره، فقال سرجون: أ كنت قابلا من معاوية ما أشار به لو كان حيا؟ قال: نعم! قال: فاقبل منى فإنه ليس للكوفة إلا عبيد اللَّه بن زياد، فوله إياها. و كان يزيد يبغض عبيد اللَّه بن زياد، و كان يريد أن يعزله عن البصرة، فولاه البصرة و الكوفة معا لما يريده اللَّه به و بغيره.
ثم كتب يزيد إلى ابن زياد: إذا قدمت الكوفة فاطلب مسلم بن عقيل فان قدرت عليه فأقتله أو انفه، و بعث الكتاب مع العهد مع مسلم بن عمرو الباهلي، فسار ابن زياد من البصرة إلى