البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣ - غريبة من الغرائب و آبدة من الأوابد
فإذا جاء القدر خلا عنه،
و في رواية: ملكان يدفعان عنه فإذا جاء القدر خليا عنه، و إنه لا يجد عبد حلاوة الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، و ما أخطأه لم يكن ليصيبه،
و كان على يدخل المسجد كل ليلة فيصلي فيه، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها قلق تلك الليلة و جمع أهله فلما خرج إلى المسجد صرخ الإوز في وجهه فسكتوهن عنه فقال: ذروهن فإنهن نوائح، فلما خرج إلى المسجد ضربه ابن ملجم فكان ما ذكرنا قبل. فقال الناس: يا أمير المؤمنين ألا نقتل مرادا كلها؟
فقال: لا و لكن احبسوه و أحسنوا إساره، فان مت فاقتلوه و إن عشت فالجروح قصاص.
و جعلت أم كلثوم بنت على تقول: ما لي و لصلاة الغداة، و قتل زوجي عمر أمير المؤمنين صلاة الغداة، و قتل أبى أمير المؤمنين صلاة الغداة، رضى اللَّه عنها.
و قيل لعلى: ألا تستخلف؟ فقال: لا و لكن أترككم كما ترككم رسول اللَّه، فان يرد اللَّه بكم خيرا يجمعكم على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)،
فهذا اعتراف منه في آخر وقت الدنيا بفضل الصديق.
و قد ثبت عنه بالتواتر أنه خطب بالكوفة في أيام خلافته و دار إمارته، فقال: أيها الناس إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر و لو شئت أن أسمى الثالث لسميت. و عنه أنه قال و هو نازل من المنبر: ثم عثمان ثم عثمان.
و لما مات على ولى غسله و دفنه أهله، و صلى عليه ابنه الحسن و كبر أربعا، و قيل أكثر من ذلك. و دفن على بدار الخلافة بالكوفة و قيل تجاه الجامع من القبلة في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة، بحذاء باب الوراقين و قيل بظاهر الكوفة، و قيل بالكناسة، و قيل دفن بالبرية. و قال شريك القاضي و أبو نعيم الفضل بن دكين: نقله الحسن بن على بعد صلحه مع معاوية من الكوفة فدفنه بالمدينة بالبقيع إلى جانب فاطمة بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال عيسى بن داب: بل لما تحملوا به حملوه في صندوق على بعير، فلما مروا به ببلاد طيئ أضلوا ذلك البعير فأخذته طيئ تحسب فيه مالا، فلما وجدوا بالصندوق ميتا دفنوه في بلادهم فلا يعرف قبره إلى الآن، و المشهور أن قبره إلى الآن بالكوفة كما ذكر عبد الملك ابن عمران أن خالد بن عبد اللَّه القسري- نائب بنى أمية في زمان هشام- لما هدم دورا ليبنيها وجد قبرا فيه شيخ أبيض الرأس و اللحية فإذا هو على، فأراد أن يحرقه بالنار فقيل له: أيها الأمير إن بنى أمية لا يريدون منك هذا كله، فلفه في قباطي و دفنه هناك. قالوا: فلا يقدر أحد أن يسكن تلك الدار التي هو فيها إلا ارتحل منها. رواه ابن عساكر. ثم إن الحسن بن على استحضر عبد الرحمن بن ملجم من السجن، فأحضر الناس النفط و البواري ليحرقوه، فقالوا لهم أولاد على: دعونا نشتفى منه، فقطعت يداه و رجلاه فلم يجزع و لا فتر عن الذكر، ثم كحلت عيناه و هو في ذلك يذكر اللَّه و قرأ سورة اقرأ باسم ربك إلى آخرها، و إن عينيه لتسيلان على خديه، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعا شديدا، فقيل له في ذلك فقال: إني أخاف أن أمكث في الدنيا فواقا لا أذكر اللَّه