البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٦ - سنة أربع و خمسين
هرقلية فقال: خذ هذه فأوصلها إلى حسان بن ثابت، و جاء بأخرى فقال: خذ هذه لك، فقلت:
لا حاجة لي فيها و لا أقبل منك شيئا و قد ارتددت عن الإسلام، فيقال: إنه أضافها إلى التي لحسان، فبعث بألف دينار هرقلية، ثم قال له: أبلغ عمر بن الخطاب منى السلام و سائر المسلمين، فلما قدمت على عمر أخبرته خبره فقال: و رأيته يشرب الخمر؟ قلت: نعم! قال: أبعده اللَّه، تعجل فانية بباقية فما ربحت تجارته. ثم قال: و ما الّذي وجه به لحسان؟ قلت: خمسمائة دينار هرقلية، فدعا حسانا فدفعها إليه، فأخذها و هو يقول:
إن ابن جفنة من بقية معشر* * * لم يغرهم آباؤهم باللوم
لم ينسنى بالشام إذ هو ربها* * * كلا و لا متنصرا بالروم
يعطى الجزيل و لا يراه عنده* * * إلا كبعض عطية المحروم
و أتيته يوما فقرب مجلسى* * * و سقى فرواني من المذموم
ثم لما كان في هذه السنة من أيام معاوية بعث معاوية عبد اللَّه بن مسعدة الفزاري رسولا إلى ملك الروم، فاجتمع بجبلة بن الأيهم فرأى ما هو فيه من السعادة الدنيوية و الأموال من الخدم و الحشم و الذهب و الخيول، فقال له جبلة: لو أعلم أن معاوية يقطعنى أرض البثينة فإنها منازلنا، و عشرين قرية من غوطة دمشق و يفرض لجماعتنا، و يحسن جوائزنا، لرجعت إلى الشام. فأخبر عبد اللَّه بن مسعدة معاوية بقوله، فقال معاوية: أنا أعطيه ذلك، و كتب إليه كتابا مع البريد بذلك، فما أدركه البريد إلا و قد مات في هذه السنة قبحه اللَّه. و ذكر أكثر هذه الأخبار الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم، و أرخ وفاته هذه السنة،- أعنى سنة ثلاث و خمسين- و قد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه فأطال الترجمة و أفاد، ثم قال في آخرها: بلغني أن جبلة توفى في خلافة معاوية بأرض الروم بعد سنة أربعين من الهجرة.
سنة أربع و خمسين
ففيها كان شتى محمد بن مالك بأرض الروم، و غزا الصائفة معن بن يزيد السلمي، و فيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن إمرة المدينة ورد إليها مروان بن الحكم، و كتب إليه أن يهدم دار سعيد بن العاص، و يصطفى أمواله التي بأرض الحجاز، فجاء مروان إلى دار سعيد ليهدمها فقال سعيد: ما كنت لتفعل ذلك، فقال: إن أمير المؤمنين كتب إلى بذلك، و لو كتب إليك في دار لفعلته. فقام سعيد فأخرج إليه كتاب معاوية إليه حين ولاه المدينة أن يهدم دار مروان و يصطفى ماله، و ذكر أنه لم يزل يحاجف دونه حتى صرف ذلك عنه، فلما رأى مروان الكتاب إلى سعيد بذلك، ثناه ذلك عن سعيد، و لم يزل يدافع عنه حتى تركه معاوية في داره و أقر عليه أمواله. و فيها