البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٣ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
العرب و عونهم وجدهم، قطع اللَّه به الفتنة، و ملكه على العباد، و فتح به البلاد، ألا إنه قد مات و هذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها و مدخلوه قبره و مخلون بينه و بين عمله، ثم هول البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى. ثم نزل و بعث البريد إلى يزيد بن معاوية يعلمه و يستحثه على المجيء.
و لا خلاف أنه توفى بدمشق في رجب سنة ستين. فقال جماعة: ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين، و قيل ليلة الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين. قاله ابن إسحاق و غير واحد، و قيل لأربع خلت من رجب، قاله الليث. و قال سعد بن إبراهيم لمستهل رجب، قال محمد بن إسحاق و الشافعيّ: صلى عليه ابنه يزيد، و قد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفن في ثوب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الّذي كساه إياه، و كان مدّخرا عنده لهذا اليوم، و أن يجعل ما عنده من شعره و قلامة أظفاره في فمه و أنفه و عينيه و أذنيه. و قال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائبا فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق، ثم دفن فقيل بدار الامارة و هي الخضراء، و قيل بمقابر باب الصغير، و عليه الجمهور فاللَّه أعلم. و كان عمره إذ ذاك ثمانيا و سبعين سنة، و قيل جاوز الثمانين و هو الأشهر و اللَّه أعلم. ثم ركب الضحاك بن قيس في جيش و خرج ليتلقى يزيد بن معاوية- و كان يزيد بحوارين- فلما وصلوا إلى ثنية العقاب تلقتهم أثقال يزيد، و إذا يزيد راكب على بختي و عليه الحزن ظاهر، فسلم عليه الناس بالإمارة و عزوه في أبيه، و هو يخفض صوته في رده عليهم، و الناس صامتون لا يتكلم معه إلا الضحاك بن قيس، فانتهى إلى باب توما، فظن الناس أنه يدخل منه إلى المدينة، فأجازه مع السور حتى انتهى إلى الباب الشرقي، فقيل: يدخل منه لأنه باب خالد، فجازه حتى أتى الباب الصغير فعرف الناس أنه قاصد قبر أبيه، فلما وصل إلى باب الصغير ترجل عند القبر ثم دخل فصلى على أبيه بعد ما دفن ثم انفتل، فلما خرج من المقبرة أتى بمراكب الخلافة فركب.
ثم دخل البلد و أمر فنودي في الناس إن الصلاة جامعة، و دخل الخضراء فاغتسل و لبس ثيابا حسنة ثم خرج فخطب الناس أول خطبة خطبها و هو أمير المؤمنين، فقال بعد حمد اللَّه و الثناء عليه:
أيها الناس! إن معاوية كان عبدا من عبيد اللَّه، أنعم اللَّه عليه ثم قبضه إليه، و هو خير ممن بعده و دون من قبله، و لا أزكيه على اللَّه عز و جل فإنه أعلم به، إن عفى عنه فبرحمته، و إن عاقبه فبذنبه، و قد وليت الأمر من بعده، و لست آسى على طلب، و لا أعتذر من تفريط، و إذا أراد اللَّه شيئا كان. و قال لهم في خطبته هذه: و إن معاوية كان يغزيكم في البحر، و إني لست حاملا أحدا من المسلمين في البحر، و إن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم و لست مشتيا أحدا بأرض الروم، و إن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثا و أنا أجمعه لكم كله. قال: فافترق الناس عنه و هم لا يفضلون