البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٢ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
يرحمكم اللَّه، [و قيل إنه قال: يا أهل مكة إكباركم و استعظامكم قتل ابن الزبير، فان ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة حتى رغب في الدنيا و نازع الخلافة أهلها، فخلع طاعة اللَّه و ألحد في حرم اللَّه، و لو كانت مكة شيئا يمنع القضاء لمنعت آدم حرمة الجنة و قد خلقه اللَّه بيده، و نفخ فيه من روحه، و أسجد له ملائكته، و علمه أسماء كل شيء، فلما عصاه أخرجه من الجنة و أهبطه إلى الأرض، و آدم أكرم على اللَّه من ابن الزبير، و إن ابن الزبير غير كتاب اللَّه. فقال له عبد اللَّه بن عمر: لو شئت أن أقول لك كذبت لقلت، و اللَّه إن ابن الزبير لم يغير كتاب اللَّه، بل كان قواما به صواما، عاملا بالحق] [١] ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك بما وقع، و بعث برأس ابن الزبير مع رأس عبد اللَّه بن صفوان و عمارة بن حزم إلى عبد الملك، ثم أمرهم إذا مروا بالمدينة أن ينصبوا الرءوس بها، ثم يسيروا بها إلى الشام، ففعلوا ما أمرهم به، و أرسل بالرءوس مع رجل من الأزد فأعطاه عبد الملك خمسمائة دينار، ثم دعا بمقراض فأخذ من ناصيته و نواصي أولاده فرحا بمقتل ابن الزبير، عليهم من اللَّه ما يستحقون.
ثم أمر الحجاج بجثة ابن الزبير فصلبت على ثنية كدا عند الحجون، يقال منكسة، فما زالت مصلوبة. حتى مر به عبد اللَّه بن عمر فقال: رحمة اللَّه عليك يا أبا خبيب، أما و اللَّه لقد كنت صواما قواما، ثم قال: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فبعث الحجاج فأنزل عن الجذع و دفن هناك. و دخل الحجاج إلى مكة فأخذ البيعة من أهلها إلى عبد الملك بن مروان، و لم يزل الحجاج مقيما بمكة حتى أقام للناس الحج عامه هذا أيضا و هو على مكة و اليمامة و اليمن.
و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
هو عبد اللَّه بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو بكر و يقال له أبو خبيب القرشي الأسدي، أول مولود ولد بعد الهجرة بالمدينة من المهاجرين، و أمه أسماء بنت أبى بكر الصديق، ذات النطاقين، هاجرت و هي حامل به تم فولدته بقبا أول مقدمهم المدينة و قيل إنما ولدته في شوال سنة ثنتين من الهجرة، قاله الواقدي و مصعب الزبيري و غيرهما، و الأول أصح لما رواه أحمد عن أبى أسامة عن هشام عن أبيه عن أسماء أنها حملت بعبد اللَّه بمكة قالت:
فخرجت به و أنا متم فأتيت المدينة فنزلت بقبا فولدته، ثم أتيت به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول ما دخل في جوفه ريق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قالت: ثم حنكه ثم دعا له و تبرك عليه، فكان أول مولود ولد في الإسلام. و هو صحابى جليل، روى عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أحاديث، و روى عن أبيه و عمر و عثمان و غيرهم. و عنه جماعة من التابعين، و شهيد الجمل [٢] مع أبيه و هو صغير، و حضر خطبة عمر بالجابية، و رواها عنه بطولها [ثبت ذلك من غير وجه. و قدم
[١] سقط من المصرية
[٢] كذا و في المصرية: حضر اليرموك. و هو إلى الصواب أقرب.