البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٠ - ثم دخلت سنة ثلاث و سبعين
و ما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان و يتركون ابن الزبير حتى خرج إليه قريب من عشرة آلاف، فأمنهم و قل أصحاب ابن الزبير جدا، حتى خرج إلى الحجاج حمزة و خبيب ابنا عبد اللَّه ابن الزبير، فأخذا لأنفسهما أمانا من الحجاج فأمنهما، و دخل عبد اللَّه بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له، و خروجهم إلى الحجاج حتى أولاده و أهله، و أنه لم يبق معه إلا اليسير، و لم يبق لهم صبر ساعة، و القوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: يا بنى أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق و تدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل عليه أصحابك، و لا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بنى أمية، و إن كنت تعلم أنك إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك و أهلكت من قتل معك، و إن كنت على حق فما وهن الدين و إلى كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن. فدنا منها فقبل رأسها و قال: هذا و اللَّه رأيي، ثم قال: و اللَّه ما ركنت إلى الدنيا و لا أحببت الحياة فيها، و ما دعاني إلى الخروج إلى الغضب للَّه أن تستحل حرمته، و لكنى أحببت أن أعلم رأيك فزدتينى بصيرة مع بصيرتي، فانظرى يا أماه فانى مقتول في يومى هذا فلا يشتد حزنك، و سلمى لأمر اللَّه، فان ابنك لم يتعمد إتيان منكر، و لا عمل بفاحشة قط، و لم يجر في حكم اللَّه، و لم يغدر في أمان و لم يتعمد ظلم مسلم و لا معاهد، و لم يبلغني ظلم عن عامل فرضيته بل أنكرته، و لم يكن عندي آثر من رضى ربى عز و جل، اللَّهمّ إني لا أقول هذا تزكية لنفسي، اللَّهمّ أنت أعلم بى منى و من غيري، و لكنى أقول ذلك تعزية لأمى لتسلو عنى، فقالت أمه: إني لأرجو من اللَّه أن يكون عزائى فيك حسنا، إن تقدمتنى أو تقدمتك، ففي نفسي اخرج يا بنى حتى انظر ما يصير إليه أمرك، فقال جزاك اللَّه يا أمه خيرا فلا تدعى الدعاء قبل و بعد. فقالت: لا أدعه أبدا لمن قتل على باطل فلقد قتلت على حق، ثم قالت: اللَّهمّ ارحم طول ذلك القيام و ذلك النحيب و الظمأ في هواجر المدينة، و مكة، و بره بأبيه و بى، اللَّهمّ إني قد سلمته لأمرك فيه و رضيت بما قضيت فقابلني في عبد اللَّه بن الزبير بثواب الصابرين الشاكرين. ثم أخذته إليها فاحتضنته لتودعه و اعتنقها ليودعها- و كانت قد أضرت في آخر عمرها- فوجدته لابسا درعا من حديد فقالت: يا بنى ما هذا لباس من يريد ما نريد من الشهادة!! فقال:
يا أماه إنما لبسته لأطيب خاطرك و أسكن قلبك به، فقالت: لا يا بنى و لكن انزعه فنزعه و جعل يلبس بقية ثيابه و يتشدد و هي تقول: شمر ثيابك، و جعل يتحفظ من أسفل ثيابه لئلا تبدو عورته إذا قتل، و جعلت تذكره، بأبيه الزبير، و جده أبى بكر الصديق، و جدته صفية بنت عبد المطلب، و خالته عائشة زوج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ترجيه القدوم عليهما إذا هو قتل شهيدا، ثم خرج من عندها فكان ذلك آخر عهده بها رضى اللَّه عنهما و عن أبيه و أبيها قالوا: و كان يخرج من باب المسجد الحرام و هناك خمسمائة فارس و راجل فيحمل عليهم فيتفرقون