البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين
قتل عنها خلف بعده عليها الزبير بن العوام، فقتل بوادي السباع، فبعث إليها على بن أبى طالب يخطبها فقالت: إني أخشى عليك أن تقتل، فأبت أن تتزوجه و لو تزوجته لقتل عنها أيضا، فأنها لم تزل حتى ماتت في أول خلافة معاوية في هذه السنة رحمها اللَّه.
ثم دخلت سنة ثنتين و أربعين
فيها غزا المسلمون اللان و الروم فقتلوا من أمرائهم و بطارقتهم خلقا كثيرا، و غنموا و سلموا، و فيها ولى معاوية مروان بن الحكم نيابة المدينة، و على مكة خالد بن العاص بن هشام، و على الكوفة المغيرة بن شعبة، و على قضائها شريح القاضي، و على البصرة عبد اللَّه بن عامر، و على خراسان قيس ابن الهيثم من قبل عبد اللَّه بن عامر. و في هذه السنة تحركت الخوارج الذين كانوا قد عفى عنهم على يوم النهروان، و قد عوفي جرحاهم و ثابت إليهم قواهم، فلما بلغهم مقتل على ترحموا على قاتله ابن ملجم و قال قائلهم: لا يقطع اللَّه يدا علت قذال على بالسيف، و جعلوا يحمدون اللَّه على قتل على، ثم عزموا على الخروج على الناس و توافقوا على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فيما يزعمون. و في هذه السنة قدم زياد بن أبيه على معاوية- و كان قد امتنع عليه قريبا من سنة في قلعة عرفت به يقال لها قلعة زياد- فكتب إليه معاوية: ما يحملك على أن تهلك نفسك؟ أقدم عليّ فأخبرني بما صار إليك من أموال فارس و ما صرفت منها و ما بقي عندك فائتنى به و أنت آمن، فان شئت أن تقيم عندنا فعلت و إلا ذهبت حيث ما شئت من الأرض فأنت آمن. فعند ذلك أزمع زياد السير إلى معاوية، فبلغ المغيرة قدومه فخشي أن يجتمع بمعاوية قبله، فسار نحو دمشق إلى معاوية فسبقه زياد إلى معاوية بشهر فقال معاوية للمغيرة: ما هذا و هو أبعد منك و أنت جئت بعده بشهر؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه ينتظر الزيادة و أنا أنتظر النقصان، فأكرم معاوية زيادا و قبض ما كان معه من الأموال و صدقه فيما صرفه و ما بقي عنده.
ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين
فيها غزا بسر بن أبى أرطاة بلاد الروم فوغل فيها حتى بلغ مدينة قسطنطينية، و شتى ببلادهم فيما زعمه الواقدي، و أنكر غيره ذلك و قالوا: لم يكن بها مشتى لأحد قط فاللَّه أعلم. قال ابن جرير: و فيها مات عمرو بن العاص بمصر، و محمد بن مسلمة، قلت: و سنذكر ترجمة كل منهما في آخرها، فولى معاوية بعد عمرو بن العاص على ديار مصر ولده عبد اللَّه بن عمرو، قال الواقدي: فعمل له عليها سنتين.
و قد كانت في هذه السنة- أعنى سنة ثلاث و أربعين- وقعة عظيمة بين الخوارج و جند الكوفة، و ذلك أنهم صمموا- كما قدمنا- على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة عليهم المستورد بن علقمة، فجهز عليهم المغيرة بن شعبة جندا عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم و قدم بين يديه أبا الرواع في طليعة هي ثلاثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو