البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٦ - أبو هريرة الدوسيّ رضى اللَّه عنه
رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وعاءين فأما أحدهما فبثثته في الناس، و أما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم» رواه البخاري من حديث ابن أبى ذيب، و رواه غير واحد عن أبى هريرة، و هذا الوعاء الّذي كان لا يتظاهر به هو الفتن و الملاحم و ما وقع بين الناس من الحروب و القتال، و ما سيقع التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، و ردوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم و تقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني. و قد يتمسك بهذا الحديث طوائف من أهل الأهواء و البدع الباطلة، و الأعمال الفاسدة، و يسندون ذلك إلى هذا الجراب الّذي لم يقله أبو هريرة، و يعتقدون أن ما هم عليه كان في هذا الجراب الّذي لم يخبر به أبو هريرة، و ما من مبطل مع تضاد أقوالهم إلا و هو يدعى هذا و كلهم يكذبون، فإذا لم يكن أبو هريرة قد أخبر به فمن علمه بعده؟
و إنما كان الّذي فيه شيء من الفتن و الملاحم كما أخبر بها هو و غيره من الصحابة، مما ذكرناه و مما سنذكره في كتاب الفتن و الملاحم. و قال حماد بن زيد: حدثنا عمرو بن عبيد الأنصاري ثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم أن مروان دعا أبا هريرة و أقعده خلف السرير، و جعل مروان يسأل و جعلت أكتب عنه، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به و أقعده من وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد و لا نقص، و لا قدم و لا أخر. و روى أبو بكر بن عياش و غيره عن الأعمش عن أبى صالح. قال: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لم يكن بأفضلهم.
و قال الربيع قال الشافعيّ: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. و قال أبو القاسم البغوي:
حدثنا أبو خيثمة ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: تواعد الناس ليلة من الليالي إلى قبة من قباب معاوية فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة فحدثهم عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى أصبح. و قال سفيان بن عيينة عن معمر عن وهب بن منبه عن أخيه همام بن منبه. قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أحد من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أكثر حديثا عنه منى، إلا ما كان من عبد اللَّه بن عمرو، فإنه كان يكتب و لا أكتب. و قال أبو زرعة الدمشقيّ: حدثني محمد بن زرعة الرعينيّ ثنا مروان بن محمد ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد اللَّه عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبى هريرة: لتتركن الحديث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أو لألحقنك بأرض دوس، و قال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة. قال أبو زرعة، و سمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحوا منه و لم يسنده، و هذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، و أنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، و أن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك. و قد جاء أن عمر أذن له بعد ذلك في التحديث، فقال مسدد: