البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩١ - أم المؤمنين عائشة بنت أبى بكر الصديق
فقال: إنه لا بد من ذبحها، فقالت: أ تقتل ابنتك؟ فقال: و إن، فأخذ الشفرة و الشاة و جعل يذبحها و يسلخها و هو يقول مرتجزا:
يا جارتى لا توقظى البنية* * * إن توقظيها تنتحب عليه
و تنزع الشفرة من يديه
ثم هيأها طعاما فوضعها بين يدي عبيد اللَّه و مولاه فعشاهما، و كان عبيد اللَّه قد سمع محاورته لامرأته في الشاة، فلما أراد الارتحال قال لمولاه: ويلك ما ذا معك من المال؟ فقال: معى خمسمائة دينار فضلت من نفقتك، فقال: ادفعها إلى الأعرابي، فقال: سبحان اللَّه! تعطيه خمسمائة دينار و إنما ذبح لك شاة واحدة تساوى خمسة دراهم؟ فقال: ويحك و اللَّه لهو أسخى منا و أجود، لأنا إنما أعطيناه بعض ما نملك، و جاد هو علينا بجميع ما يملك، و آثرنا على مهجة نفسه و ولده. فبلغ ذلك معاوية فقال: للَّه در عبيد اللَّه، من أي بيضة خرج؟ و من أي شيء درج. قال خليفة بن خيّاط:
توفى سنة ثمان و خمسين. و قال غيره: توفى في أيام يزيد بن معاوية، قال أبو عبيد القاسم بن سلام! توفى في سنة سبع و ثمانين، و كانت وفاته بالمدينة، و قيل باليمن، و له حديث واحد، قال أحمد: ثنا هشيم ثنا يحيى بن إسحاق عن سليمان بن يسار عن عبيد اللَّه بن عباس قال: جاءت العميصا- أو الرميصا- إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تشكو زوجها تزعم أنه لا يصل إليها، فما كان إلا يسيرا حتى جاء زوجها فزعم أنها كاذبة،
و أنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «ليس لك ذلك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره» و أخرجه النسائي عن على بن حجرة عن هشيم به.
و ممن توفى فيها
أم المؤمنين عائشة بنت أبى بكر الصديق
و زوجة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أحب أزواجه إليه، المبرّأة من فوق سبع سماوات رضى اللَّه عنها، و عن أبيها. و أمها هي أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، تكنى عائشة بأم عبد اللَّه، قيل كناها بذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و سلم بابن أختها عبد اللَّه بن الزبير، و قيل إنها أسقطت من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سقطا فسماه عبد اللَّه، و لم يتزوج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بكرا غيرها، و لم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها، و لم يكن في أزواجه أحب إليه منها، تزوجها بمكة بعد وفاة خديجة، و قد أتاه الملك بها في المنام في سرقة من حريرة، مرتين أو ثلاثا، فيقول: هذه زوجتك. قال: «فأكشف عنك فإذا هي أنت، فأقول، إن يكن هذا من عند اللَّه يمضه، فخطبها من أبيها فقال: يا رسول اللَّه أو تحل لك؟ قال: نعم! قال: أو لست أخوك؟ قال: بلى في الإسلام، و هي لي حلال، فتزوجها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فحظيت عنده». و قد قدمنا ذلك في أول السيرة، و كان ذلك قبل الهجرة بسنتين، و قيل بسنة و نصف، و قيل بثلاث سنين، و كان عمرها إذ ذاك ست سنين ثم دخل بها و هي بنت تسع سنين بعد بدر، في شوال من سنة ثنتين من الهجرة فأحبها. و لما تكلم فيها أهل الافك بالزور