البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٩ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
و الجهاد قائما على ساقه في أيامه في بلاد الروم و الفرنج و غيرها، فلما كان من أمره و أمر أمير المؤمنين على ما كان، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية، لا على يديه و لا على يدي على، و طمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخشاه و أذله، و قهر جنده و دحاهم، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب على تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة و طمع فيه، فكتب معاوية إليه: و اللَّه لئن لم تنته و ترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا و ابن عمى عليك و لأخرجنك من جميع بلادك، و لأضيقن عليك الأرض بما رحبت. فعند ذلك خاف ملك الروم و انكف، و بعث يطلب الهدنة.
ثم كان من أمر التحكيم ما كان، و كذلك ما بعده إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن على كما تقدم، فانعقدت الكلمة على معاوية، و أجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى و أربعين كما قدمنا، فلم يزل مستقلا بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، و الجهاد في بلاد العدو قائم، و كلمة اللَّه عالية. و الغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، و المسلمون معه في راحة و عدل، و صفح و عفو.
و قد ثبت في صحيح مسلم من طريق عكرمة بن عمار عن أبى زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس.
قال قال أبو سفيان: يا رسول اللَّه ثلاثا أعطنيهن، قال: نعم، قال: تؤمرنى حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم! قال و معاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: نعم: و ذكر الثالثة و هو أنه أراد أن يزوج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بابنته الأخرى عزة بنت أبى سفيان، و استعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فقال: «إن ذلك لا يحل لي»
و قد تكلمنا على ذلك في جزء مفرد، و ذكرنا أقوال الائمة و اعتذارهم عنه و للَّه الحمد. و المقصود منه أن معاوية كان من جملة الكتاب بين يدي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الذين يكتبون الوحي.
و روى الامام أحمد و مسلم و الحاكم في مستدركه من طريق أبى عوانة- الوضاح ابن عبد اللَّه اليشكري- عن أبى حمزة عمران بن ابى عطاء عن ابن عباس. قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلى، فاختبأت على باب فجاءني فخطانى خطاة أو خطاتين، ثم قال «اذهب فادع لي معاوية- و كان يكتب الوحي- قال: فذهبت فدعوته له فقيل:
إنه يأكل، فأتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلت إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل:
إنه يأكل فأخبرته، فقال في الثالثة: لا أشبع اللَّه بطنه»
قال: فما شبع بعدها، و قد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه و أخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير و بصل فيأكل منها، و يأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، و من الحلوى و الفاكهة شيئا كثيرا و يقول و اللَّه ما أشبع و إنما أعيا، و هذه نعمة و معدة يرغب فيها كل الملوك. و أما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الّذي
رواه البخاري و غيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة. أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «اللَّهمّ إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته