البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٤ - ذكر من توفى فيها من الأعيان
ذو التاج، لأنه كان إذا اعتم لا يعتم أحد يومئذ إعظاما له، و كان سعيد هذا من عمال عمر على السواد، و جعله عثمان فيمن يكتب المصاحف لفصاحته، و كان أشبه الناس لحية برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان في جملة الاثني عشر رجلا، الذين يستخرجون القرآن و يعلمونه و يكتبونه، منهم أبى بن كعب، و زيد بن ثابت. و استنابه عثمان على الكوفة بعد عزله الوليد بن عقبة، فافتتح طبرستان و جرجان، و نقض العهد أهل أذربيجان فغزاهم ففتحها، فلما مات عثمان اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل و لا صفين، فلما استقرّ الأمر لمعاوية وفد إليه فعتب عليه فاعتذر إليه فعذره في كلام طويل جدا، و ولّاه المدينة مرتين، و عزله عنها مرتين بمروان بن الحكم، و كان سعيد هذا لا يسبّ عليا، و مروان يسبّه، و روى عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و عن عمر بن الخطاب، و عثمان، و عائشة، و عنه ابناه عمرو بن سعيد الأشدق و أبو سعيد و سالم بن عبد اللَّه بن عمر، و عروة بن الزبير، و غيرهم، و ليس له في المسند و لا في الكتب الستة شيء. و قد كان حسن السيرة، جيد السريرة، و كان كثيرا ما يجمع أصحابه في كل جمعة فيطعمهم و يكسوهم الحلل، و يرسل إلى بيوتهم بالهدايا و التحف و البر الكثير، و كان يصر الصرر فيضعها بين يدي المصلين من ذوى الحاجات في المسجد. قال ابن عساكر: و قد كانت له دار بدمشق تعرف بعده بدار نعيم، و حمام نعيم، بنواحي الديماس، ثم رجع إلى المدينة فأقام بها إلى أن مات، و كان كريما جوادا ممدحا. ثم أورد شيئا من حديثه من طريق يعقوب بن سفيان:
حدثنا أبو سعيد الجعفي ثنا عبد اللَّه بن الأجلح ثنا هشام بن عروة عن أبيه أن سعيد بن العاص قال: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية»
و في طريق الزبير بن بكار: حدثني رجل عن عبد العزيز بن أبان حدثني خالد بن سعيد عن أبيه عن ابن عمر قال: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ببرد. فقالت: إني نذرت أن أعطى هذا الثوب أكرم العرب، فقال: «أعطه هذا الغلام»
- يعنى سعيد بن العاص- و هو واقف، فلذلك سميت الثياب السعيدية و أنشد الفرزدق قوله فيه
ترى الغرّ الجحاجح من قريش* * * إذا ما الخطب في الحدثان عالا
قياما ينظرون إلى سعيد* * * كأنهم يرون به هلالا
و ذكر أن عثمان عزل عن الكوفة المغيرة و ولاها سعيد بن أبى وقاص، ثم عزله و ولاها الوليد ابن عتبة، ثم عزله و ولى سعيد بن العاص، فأقام بها حينا، و لم تحمد سيرته فيهم و لم يحبوه، ثم ركب مالك بن الحارث- و هو الأشتر النخعي- في جماعة إلى عثمان و سألوه أن يعزل عنهم سعيدا فلم يعزله، و كان عنده بالمدينة فبعثه إليهم، و سبق الأشتر إلى الكوفة فخطب الناس و حثهم على منعه من الدخول إليهم، و ركب الأشتر في جيش يمنعوه من الدخول، قيل تلقوه إلى العذيب،- و قد نزل سعيد بالرعثة- فمنعوه من الدخول إليهم، و لم يزالوا به حتى ردّوه إلى عثمان، و ولى الأشتر أبا موسى