البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٥ - قصة يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري مع ابني زياد عبيد اللَّه و عباد
و عظمه و أجله و أجلسه معه على السرير، و رفع منزلته، ثم تكلم القوم فأثنوا على عبيد اللَّه و الأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك يا أبا بحر لا تتكلم؟ فقال له: إن تكلمت خالفت القوم، فقال معاوية: انهضوا فقد عزلته عنكم فاطلبوا واليا ترضونه، فمكثوا أياما يترددون إلى أشراف بنى أمية، يسألون كل واحد أن يتولى عليهم فلم يقبل أحد منهم ذلك، ثم جمعهم معاوية فقال: من اخترتم؟
فاختلفوا عليه، و الأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك لا تتكلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد غير أهل بيتك فرأيك فقال معاوية: قد أعدته إليكم. و قال ابن جرير: قال الأحنف:
يا أمير المؤمنين إن وليت علينا من أهل بيتك فانا لا نعدل بعبيد اللَّه بن زياد أحدا، و إن وليت علينا من غيرهم فانظر لنا في ذلك. فقال معاوية: قد أعدته إليكم. ثم إن معاوية أوصى عبيد اللَّه ابن زياد بالأحنف خيرا، و قبح رأيه فيه و في مباعدته، فكان الأحنف بعد ذلك أخص أصحاب عبيد اللَّه، و لما وقعت الفتنة لم يف لعبيد اللَّه غير الأحنف بن قيس، و اللَّه أعلم.
قصة يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري مع ابني زياد عبيد اللَّه و عباد
ذكر ابن جرير عن أبى عبيدة معمر بن المثنى و غيره أن هذا الرجل كان شاعرا، و كان مع عباد بن زياد بسجستان، فاشتغل عنه بحرب الترك، و ضاق على الناس علف الدواب، فقال ابن مفرغ شعرا يهجو به ابن زياد على ما كان منه فقال:-
ألا ليت اللحى كانت حشيشا* * * فنعلفها خيول المسلمينا
و كان عباد بن زياد عظيم اللحية كبيرها جدا، فبلغه ذلك فغضب و تطلبه فهرب منه و قال فيه قصائد يهجوه بها كثيرة فمن ذلك قوله:-
إذا أودى معاوية بن حرب* * * فبشر شعب قعبك بانصداع
فأشهد أن أمك لم تباشر* * * أبا سفيان واضعة القناع
و لكن كان أمرا فيه لبس* * * على خوف شديد و ارتياع
و قال أيضا:-
ألا أبلغ معاوية بن حرب* * * مغلغلة من الرجل اليماني
أ تغضب أن يقال أبوك عف* * * و ترضى أن يقال أبوك زانى
فأشهد أن رحمك من زياد* * * كرحم الفيل من ولد الأتان
فكتب عباد بن زياد إلى أخيه عبيد اللَّه و هو وافد على معاوية بهذه الأبيات، فقرأها عبيد اللَّه على معاوية و استأذنه في قتله، فقال: لا تقتله، و لكن أدبه و لا تبلغ به القتل، فلما رجع عبيد اللَّه إلى البصرة استحضره و كان قد استجار بوالد زوجة عبيد اللَّه بن زياد، و هو المنذر بن الجارود، و كانت