البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٨ - ثم دخلت سنة تسع و ستين
الأشدق، فاستشاره عمرو الأشدق في الذهاب إليه فقال له: يا أبا سعيد و اللَّه لأنت أحب إلى من سمعي و بصرى، و أرى أن لا نأتيه، فان تبيعا الحميري ابن امرأة كعب الأحبار قال: إن عظيما من عظماء بنى إسماعيل يغلق أبواب دمشق فلا يلبث أن يقتل. فقال عمرو: و اللَّه لو كنت نائما ما تخوفت أن ينبهنى ابن الزرقاء، و ما كان ليجترئ على ذلك منى، مع أن عثمان بن عفان أتانى البارحة في المنام فألبسنى قميصه، و قال عمرو بن سعيد أبلغه السلام و قل له أنا رائح إليك العشية إن شاء اللَّه. فلما كان العشي- يعنى بعد الظهر- لبس عمرو درعا بين ثيابه و تقلد سفيه و نهض فعثر بالبساط فقالت امرأته و بعض من حضره: إنا لا نرى أن لا تأتيه، فلم يلتفت إلى ذلك و مضى في مائة من مواليه، و كان عبد الملك قد أمر بنى مروان فاجتمعوا كلهم عنده، فلما انتهى عمرو إلى الباب أمر عبد الملك أن يدخل و أن يحبس من معه عند كل باب طائفة منهم، فدخل حتى انتهى إلى صرحة المكان الّذي فيه عبد الملك، و لم يبق معه من مواليه سوى وصيف، فرمى ببصره فإذا مروان عن بكرة أبيهم مجتمعون عند عبد الملك، فأحس بالشر فالتفت إلى ذلك الوصيف فقال له همسا: ويلك انطلق إلى أخى يحى فقل له فليأتني، فلم يفهم عنه و قال له: لبيك، فأعاد عليه ذلك فلم يفهم أيضا و قال: لبيك، فقال: ويلك أغرب عنى في حرق اللَّه و ناره، و كان عند عبد الملك حسان بن مالك ابن بحدل، و قبيصة بن ذؤيب، فأذن لهما عبد الملك بالانصراف، فلما خرجا غلقت الأبواب و اقترب عمرو من عبد الملك فرحب به و أجلسه معه على السرير، ثم جعل يحدثه طويلا، ثم إن عبد الملك قال: يا غلام خذ السيف عنه، فقال عمرو: إنا للَّه يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك:
أو تطمع أن تتحدث معى متقلدا سيفك؟ فأخذ الغلام السيف عنه، ثم تحدثا ساعة، ثم قال له عبد الملك: يا أبا أمية، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إنك حيث خلعتنى آليت بيميني إن ملأت عيني منك و أنا مالك لك أن أجمعك في جامعة، فقالت بنو مروان: ثم تطلقه يا أمير المؤمنين، فقال ثم أطلقه، و ما عسيت أن أفعل بأبي أمية، فقال بنو مروان: بر يمين أمير المؤمنين، فقال عمرو:
بر قسمك يا أمير المؤمنين، فأخرج عبد الملك من تحت فراشه جامعة فطرحها إليه ثم قال: يا غلام قم فأجمعه فيها، فقام الغلام فجمعه فيها، فقال عمرو: أذكرك اللَّه يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رءوس الناس، فقال عبد الملك: أمكرا يا أبا أمية عند الموت؟ لاها اللَّه إذا ما كنا لنخرجك في جامعة على رءوس الناس و لما نخرجها منك إلا صعدا، ثم اجتذبه اجتذابة أصاب فمه السرير فكسر ثنيته، فقال عمرو: أذكرك اللَّه أن يدعوك كسر عظمي إلى ما هو أعظم من ذلك، فقال عبد الملك: و اللَّه لو أعلم أنك إذا بقيت تفي لي و تصلح قريش لأطلقتك، و لكن ما اجتمع رجلان في بلد قط على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه، و في رواية أنه قال له: أما علمت يا عمر و أنه لا يجتمع فحلان