البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٢ - و هذه ترجمة يزيد بن معاوية
متى تهلك العرب، إذا ساسهم من لم يدرك الجاهلية و لم يكن له قدم في الإسلام. قلت: يزيد بن معاوية أكثر ما تقم عليه في عمله شرب الخمر و إتيان بعض الفواحش، فأما قتل الحسين فإنه كما قال جده أبو سفيان يوم أحد لم يأمر بذلك و لم يسؤه. و قد قدمنا أنه قال: لو كنت أنا لم أفعل معه ما فعله ابن مرجانة- يعنى عبيد اللَّه بن زياد- و قال للرسل الذين جاءوا برأسه: قد كان يكفيكم من الطاعة دون هذا، و لم يعطهم شيئا، و أكرم آل بيت الحسين و ردّ عليهم جميع ما فقد لهم و أضعافه، و ردهم إلى المدينة في محامل و أهبة عظيمة، و قد ناح أهله في منزله على الحسين حين كان أهل الحسين عندهم ثلاثة أيام، و قيل إن يزيد فرح بقتل الحسين أول ما بلغه ثم ندم على ذلك، فقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: إن يونس بن حبيب الجرمي حدثه قال: لما قتل ابن زياد الحسين و من معه بعث برءوسهم إلى يزيد، فسرّ بقتله أولا و حسنت بذلك منزلة ابن زياد عنده، ثم لم يلبث إلا قليلا حتى ندم! فكان يقول: و ما كان على لو احتملت الأذى و أنزلته في داري و حكمته فيما يريده، و إن كان على في ذلك و كف و وهن في سلطاني، حفظا لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و رعاية لحقه و قرابته، ثم يقول:
لعن اللَّه ابن مرجانة فإنه أحرجه و اضطره، و قد كان سأله أن يخلى سبيله أو يأتينى أو يكون بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه اللَّه، فلم يفعل، بل أبى عليه و قتله، فبغضنى بقتله إلى المسلمين، و زرع لي في قلوبهم العداوة، فأبغضني البر و الفاجر بما استعظم الناس من قتل حسينا، ما لي و لابن مرجانة قبحه اللَّه و غضب عليه.
و لما خرج أهل المدينة عن طاعته و خلعوه و ولوا عليهم ابن مطيع و ابن حنظلة، لم يذكروا عنه- و هم أشد الناس عداوة له- إلا ما ذكروه عنه من شرب الخمر و إتيانه بعض القاذورات، لم يتهموه بزندقة كما يقذفه بذلك بعض الروافض، بل قد كان فاسقا و الفاسق لا يجوز خلعه لأجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة و وقوع الهرج كما وقع زمن الحرة، فإنه بعث إليهم من يردّهم إلى الطاعة و أنظرهم ثلاثة أيام، فلما رجعوا قاتلهم و غير ذلك، و قد كان في قتال أهل الحرة كفاية، و لكن تجاوز الحد بإباحة المدينة ثلاثة أيام، فوقع بسبب ذلك شرّ عظيم كما قدمنا، و قد كان عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب و جماعات أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد. و لا بايع أحدا بعد بيعته ليزيد. كما
قال الامام أحمد:
حدثنا إسماعيل بن علية حدثني صخر بن جويرية عن نافع. قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه و أهله ثم تشهد ثم قال: أما بعد فانا بايعنا هذا الرجل على بيع اللَّه و رسوله، و إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول. «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان، و إن من أعظم الغدر إلا أن يكون الإشراك باللَّه، أن يبايع رجل رجلا على بيع اللَّه و رسوله ثم ينكث بيعته». فلا يخلعن أحد منكم يزيد و لا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون الفيصل بيني و بينه.