البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٦ - و ممن توفى في هذه السنة من الأعيان
الحكيم، فلو بعثت إلينا رجلا سهل الخلق لين الكنف، رجوت أن يسهل به من الأمور ما استوعر منها و أن يجتمع ما تفرق، فانظر في ذلك فان فيه صلاح خواصنا و عوامنا إن شاء اللَّه تعالى. قالوا:
فعزل يزيد الوليد و ولى عثمان محمد بن أبى سفيان، فسار إلى الحجاز و إذا هو فتى غر حدث غمر لم يمارس الأمور، فطمعوا فيه، و لما دخل المدينة بعث إلى يزيد منها وفدا فيهم عبد اللَّه بن حنظلة الغسيل الأنصاري، و عبد اللَّه بن أبى عمرو بن حفص بن المغيرة الحضرميّ، و المنذر بن الزبير، و رجال كثير من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد فأكرمهم و أحسن إليهم و عظم جوائزهم، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة، إلا المنذر بن الزبير فإنه سار إلى صاحبه عبيد اللَّه بن زياد بالبصرة، و كان يزيد قد أجازه بمائة ألف نظير أصحابه من أولئك الوفد، و لما رجع وفد المدينة إليها أظهروا شتم يزيد و عيبه و قالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر و تعزف عنده القينات بالمعازف، و إنا نشهدكم أنا قد خلعناه، فتابعهم الناس على خلعه، و بايعوا عبد اللَّه بن حنظلة الغسيل على الموت، و أنكر عليهم عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، و رجع المنذر بن الزبير من البصرة إلى المدينة فوافق أولئك على خلع يزيد، و أخبرهم عنه أنه يشرب الخمر و يسكر حتى ترك الصلاة، و عابه أكثر مما عابه أولئك. فلما بلغ ذلك يزيد قال: اللَّهمّ إني آثرته و أكرمته ففعل ما قد رأيت، فأدركه و انتقم منه. ثم إن يزيد بعث إلى أهل المدينة النعمان بن بشير ينهاهم عما صنعوا و يحذرهم غبّ ذلك و يأمرهم بالرجوع إلى السمع و الطاعة و لزوم الجماعة، فسار إليهم ففعل ما أمره يزيد و خوفهم الفتنة و قال لهم: إن الفتنة و خيمة، و قال: لا طاقة لكم بأهل الشام، فقال له عبد اللَّه بن مطيع: ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا و فساد ما أصلح اللَّه من أمرنا؟ فقال له النعمان: أما و اللَّه لكأنّي و قد تركت تلك الأمور التي تدعو إليها، و قامت الرجال على الركب التي تضرب مفارق القوم و جباههم بالسيوف، و دارت رحى الموت بين الفريقين، و كأنى بك قد ضربت جنب بغلتك إليّ و خلفت هؤلاء المساكين- يعنى الأنصار- يقتلون في سككهم و مساجدهم، و على أبواب دورهم. فعصاه الناس فلم يسمعوا منه فانصرف و كان الأمر و اللَّه كما قال سواء. قال ابن جرير: و حج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة كذا قال و فيه نظر، فإنه إن كان في وفد أهل المدينة و قد رجعوا من عند يزيد فإنما وفد عثمان بن محمد بن أبى سفيان، و إن كان قد حج بالناس فيها الوليد فما قدم وفد المدينة إلى يزيد إلا في أول سنة ثلاث و ستين و هو أشبه و اللَّه أعلم.
و ممن توفى في هذه السنة من الأعيان
بريدة بن الحصيب الأسلمي كان إسلامه حين اجتاز به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو مهاجر إلى المدينة عند كراع الغميم، فلما كان هناك تلقاه بريدة في ثمانين نفسا من أهل فأسلموا، و صلى بهم صلاة العشاء و علمه