البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٤ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
فلما دخلت عليه- حسبت أنه قال سلمت عليه- فقال: ما فعل طعنك على الأئمة يا مسور؟ قال قلت: ارفضنا من هذا و أحسن فيما قدمنا له، فقال: لتكلمني بذات نفسك، قال: فلم أدع شيئا أعيبه عليه إلا أخبرته به، فقال: لا تبرأ من الذنوب، فهل لك من ذنوب تخاف أن تهلكك إن لم يغفرها اللَّه لك؟ قال: قلت: نعم! إن لي ذنوبا إن لم تغفرها هلكت بسببها، قال: فما الّذي يجعلك أحق بأن ترجو أنت المغفرة منى، فو اللَّه لما إلى من إصلاح الرعايا و إقامة الحدود و الإصلاح بين الناس و الجهاد في سبيل اللَّه و الأمور العظام التي لا يحصيها إلا اللَّه و لا نحصيها أكثر مما تذكر من العيوب و الذنوب، و إني لعلى دين يقبل اللَّه فيه الحسنات و يعفو عن السيئات، و اللَّه على ذلك ما كنت لأخيّر بين اللَّه و غيره إلا اخترت اللَّه على غيره مما سواه، قال: ففكرت حين قال لي ما قال فعرفت أنه قد خصمنى. قال: فكان المسور إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير. و قد رواه شعيب عن الزهري عن عروة عن المسور بنحوه.
و قال ابن دريد عن أبى حاتم عن العتبى قال قال معاوية: يا أيها الناس! ما أنا بخيركم و إن منكم لمن هو خير منى، عبد اللَّه بن عمر، و عبد اللَّه بن عمرو، و غيرهما من الأفاضل، و لكن عسى أن أكون أنفعكم ولاية، و أنكاكم في عدوكم، و أدركم حلبا. و قد رواه أصحاب محمد عن ابن سعد عن محمد بن مصعب عن أبى بكر بن أبى مريم عن ثابت مولى معاوية أنه سمع معاوية يقول نحو ذلك.
و قال هشام بن عمار خطيب دمشق: حدثنا عمرو بن واقد ثنا يونس بن حلبس قال سمعت معاوية على منبر دمشق يوم جمعة يقول: أيها الناس اعقلوا قولي، فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا و الآخرة منى، أقيموا وجوهكم و صفوفكم في الصلاة، أو ليخالفن اللَّه بين قلوبكم، خذوا على أيدي سفهائكم أو ليسلطن اللَّه عليكم عدوكم فليسومنكم سوء العذاب. تصدقوا و لا يقولن الرجل إني مقل، فإن صدقة المقل أفضل من صدقة الغنى، إياكم و قذف المحصنات، و إن يقول الرجل: سمعت و بلغني، فلو قذف أحدكم امرأة على عهد نوح لسئل عنها يوم القيامة. و قال أبو داود الطيالسي: حدثنا يزيد ابن طهمان الرقاشيّ ثنا محمد بن سيرين. قال: كان معاوية إذا حدث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يتهم.
و رواه أبو القاسم البغوي عن سويد بن سعيد عن همام بن إسماعيل عن أبى قبيل. قال: كان معاوية يبعث رجلا يقال له أبو الجيش في كل يوم فيدور على المجالس يسأل هل ولد لأحد مولود؟ أو قدم أحد من الوفود؟ فإذا أخبر بذلك أثبت في الديوان- يعنى ليجرى عليه الرزق- و قال غيره: كان معاوية متواضعا ليس له مجالد إلا كمجالد الصبيان التي يسمونها المخاريق فيضرب بها الناس. و قال هشام بن عمار عن عمرو بن واقد عن يونس بن ميسرة بن حلبس. قال: رأيت معاوية في سوق دمشق و هو مردف وراءه و صفيا عليه قميص مرقوع الجيب، و هو يسير في أسواق دمشق، و قال