البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٢ - سعد بن أبى وقاص
و أنت بحضرة أمير المؤمنين؟ فقال: ما كان يصنع بها موسى و هو يخاطب ربه، فأخذها و تكلم من الظهر إلى أن قاربت العصر، ما تنحنح و لا سعل و لا توقف و لا ابتدأ في معنى فخرج عنه و قد بقيت عليه بقية فيه، فقال معاوية: الصلاة! فقال: الصلاة أمامك، أ لسنا في تحميد و تمجيد و عظة و تنبيه، و تذكير و وعد و وعيد؟ فقال معاوية: أنت أخطب العرب، قال: العرب وحدها؟ بل أخطب الجن و الانس. قال: كذلك أنت.
سعد بن أبى وقاص
و اسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أبو إسحاق القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و أحد الستة أصحاب الشورى الذين توفى رسول اللَّه و هو عنهم راض، أسلم قديما، قالوا: و كان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة. و ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الّذي أسلمت فيه، و لقد مكثت سبعة أيام و إني لثلث الإسلام سابع سبعة، و هو الّذي كوّف الكوفة و نفى عنها الأعاجم، و كان مجاب الدعوة، و هاجر و شهد بدرا و ما بعدها، و هو أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، و كان فارسا شجاعا من أمراء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان في أيام الصديق معظما جليل المقدار، و كذلك في أيام عمر، و قد استنابه على الكوفة، و هو الّذي فتح المدائن، و كانت بين يديه وقعة جلولاء. و كان سيدا مطاعا، و عزله عن الكوفة عن غير عجز و لا خيانة، و لكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك. و قد ذكره في الستة أصحاب الشورى، ثم ولاه عثمان بعدها ثم عزله عنها. و قال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: شهد سعد بن أبى وقاص و ابن عمر دومة الجندل يوم الحكمين. و ثبت في صحيح مسلم أن ابنه عمر جاء إليه و هو معتزل في إبله فقال: الناس يتنازعون الإمارة و أنت هاهنا؟ فقال: يا بنى إني
سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن اللَّه يحب العبد الغنى الخفى التقى».
قال ابن عساكر: ذكر بعض أهل العلم أن ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبى وقاص جاءه فقال له: يا عم هاهنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر، فقال: أريد من مائة ألف سيفا واحدا إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، و إذا ضربت به الكافر قطع. و قال عبد الرزاق عن ابن جريج حدثني زكريا بن عمرو أن سعد بن أبى وقاص وفد على معاوية فأقام عنده شهر رمضان يقصر الصلاة و يفطر، و قال غيره: فبايعه و ما سأله سعد شيئا إلا أعطاه إياه.
قال أبو يعلى: حدثنا زهير ثنا إسماعيل بن علية عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم. قال قال سعد: إني لأول رجل رمى بسهم في المشركين، و ما جمع رسول اللَّه أبويه لأحد قبلي، و لقد سمعته يقول: «ارم فداك أبى و أمى».
و قال أحمد: حدثنا يزيد بن هارون ثنا إسماعيل عن قيس سمعت سعد بن مالك يقول: و اللَّه إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل اللَّه،