البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٤ - ثم دخلت سنة ست و ستين
و كان سمينا، و كان يقرأ الكتابين القرآن و التوراة، و قيل إنه بكى حتى عمى، و كان يقوم الليل و يصوم يوما و يفطر يوما و يصوم يوما. استنابه معاوية على الكوفة ثم عزله عنها بالمغيرة بن شعبة، توفى في هذه السنة بمصر. و قتل بمكة عبد اللَّه بن سعدة الفزاري، له صحبة، نزل دمشق و قيل إنه من سبى فزارة] [١]
ثم دخلت سنة ست و ستين
ففيها وثب المختار بن أبى عبيد الثقفي الكذاب بالكوفة ليأخذوا ثأر الحسين بن على فيما يزعم، و أخرج عنها عاملها عبد اللَّه بن مطيع، و كان سبب ذلك أنه لما رجع أصحاب سليمان بن صرد مغلوبين إلى الكوفة وجدوا المختار بن أبى عبيد مسجونا فكتب إليهم يعزيهم في سليمان بن صرد و يقول: أنا عوضه و أنا أقتل قتلة الحسين. فكتب إليه رفاعة بن شداد و هو الّذي رجع بمن بقي من جيش التوابين نحن على ما تحب، فشرع المختار يعدهم و يمنيهم و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا، و قال لهم فيما كتب به إليهم خفية: أبشروا فانى لو قد خرجت إليهم جردت فيما بين المشرق و المغرب من أعدائكم السيف فجعلتهم باذن اللَّه ركاما، و قتلهم أفرادا و توأما، فرحب اللَّه بمن قارب منهم و اهتدى، و لا يبعد اللَّه إلا من أبى و عصى، فلما وصلهم الكتاب قرءوه سرا و ردوا إليه: إنا كما تحب، فمتى أحببت أخرجناك من محبسك، فكره أن يخرجوه من مكانه على وجه القهر لنواب الكوفة، فتلطف فكتب إلى زوج أخته صفية، و كانت امرأة صالحة، و زوجها عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، فكتب إليه أن يشفع في خروجه عند نائبي الكوفة عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ و إبراهيم بن محمد بن طلحة، فكتب ابن عمر إليهما يشفع عندهما فيه، فلم يمكنهما رده، و كان فيما كتب إليهما ابن عمر: قد علمتما ما بيني و بينكما من الود، و ما بيني و بين المختار من القرابة و الصهر، و أنا أقسم عليكما لما خليتما سبيله و السلام.
فاستدعيا به فضمنه جماعة من أصحابه، و استحلفه عبد اللَّه بن يزيد إن هو بغى للمسلمين غائلة فعليه ألف بدنة ينحرها تجاه الكعبة، و كل مملوك له عبد و أمة حر، فالتزم لهما بذلك، و لزم منزله، و جعل يقول: قاتلهما اللَّه، أما حلفائي باللَّه، فانى لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني، و أتيت الّذي هو خير، و أما إهدائي ألف بدنة فيسير، و أما عتقي مماليكي فوددت أنه قد استتم لي هذا الأمر و لا أملك مملوكا واحدا، و اجتمعت الشيعة عليه و كثر أصحابه و بايعوه في السر.
و كان الّذي يأخذ البيعة له و يحرض الناس عليه خمسة، و هم السائب بن مالك الأشعري، و يزيد بن أنس، و أحمد بن شميط، و رفاعة بن شداد، و عبد اللَّه بن شداد الجشمي. و لم يزل أمره يقوى و يشتد و يستفحل و يرتفع، حتى عزل عبد اللَّه بن الزبير عن الكوفة عبد اللَّه بن يزيد و إبراهيم بن محمد
[١] سقط من المصرية