البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٧ - سعد بن أبى وقاص
مثله، و فيه: ثم خرج سعد فأرى الناس ما به من القروح في ظهره ليعتذر إليهم. و قال هشيم عن أبى بلح عن مصعب بن سعد أن رجلا نال من على فنهاه سعد فلم ينته، فقال سعد: أدعو عليك، فلم ينته، فدعا اللَّه عليه حتى جاء بعير ناد فتخبطه. و جاء من وجه آخر عن عامر بن سعد أن سعدا رأى جماعة عكوفا على رجل فأدخل رأسه من بين اثنين فإذا هو يسب عليا و طلحة و الزبير، فنهاه عن ذلك فلم ينته، فقال: أدعو عليك، فقال الرجل: تتهددنى كأنك نبي؟ فانصرف سعد فدخل دار آل فلان فتوضأ و صلى ركعتين ثم رفع يديه فقال: اللَّهمّ إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما قد سبق لهم منك سابقة الحسنى، و أنه قد أسخطك سبه إياهم، فاجعله اليوم آية و عبرة. قال: فخرجت بختية نادة من دار آل فلان لا يردها شيء حتى دخلت بين أضعاف الناس، فافترق الناس فأخذته بين قوائمها، فلم يزل تتخبطه حتى مات. قال: فلقد رأيت الناس يشتدون وراء سعد يقولون: استجاب اللَّه دعاءك يا أبا إسحاق. و رواه حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب فذكر نحوه.
و قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر القرشي ثنا عبد الرزاق عن أبيه عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف أن امرأة كانت تطلع على سعد فنهاها فلم تنته، فاطلعت يوما و هو يتوضأ فقال: شاه وجهك، فعاد وجهها في قفاها. و قال كثير النوري: عن عبد اللَّه بن بديل قال: دخل سعد على معاوية فقال له: مالك لم تقاتل معنا؟ فقال: إني مرت بى ريح مظلمة فقلت: أخ أخ.
فأنخت راحلتي حتى انجلت عنى ثم عرفت الطريق فسرت، فقال معاوية: ليس في كتاب اللَّه:
أخ أخ. و لكن قال اللَّه تعالى وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فو اللَّه ما كنت مع الباغية على العادلة، و لا مع العادلة على الباغية. فقال سعد: ما كنت لأقاتل رجلا
قال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «أنت منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي».
فقال معاوية: من سمع هذا معك؟ فقال: فلان و فلان و أم سلمة. فقال معاوية: أما إني لو سمعته منه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما قاتلت عليا. و في رواية من وجه آخر أن هذا الكلام كان بينهما و هما بالمدينة في حجة حجها معاوية، و أنهما قاما إلى أم سلمة فسألاها فحدثتهما بما حدث به سعد، فقال معاوية: لو سمعت هذا قبل هذا اليوم لكنت خادما لعلى حتى يموت أو أموت.
و في إسناد هذا ضعف و اللَّه أعلم. و قد روى عن سعد أنه سمع رجلا يتكلم في على و في خالد فقال:
إنه لم يبلغ ما بيننا إلى ديننا. و قال محمد بن سيرين: طاف سعد على تسع جوار في ليلة فلما انتهى إلى العاشرة أخذه النوم فاستحيت أن توقظه.
و من كلامه الحسن أنه قال لابنه مصعب: يا بنى إذا طلبت شيئا فاطلبه بالقناعة، فإنه من لا قناعة له لم يغنه المال. و قال حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن معصب بن سعد. قال: كان رأس أبى