البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٤ - جبلة بن الأيهم الغساني
بالقود، فقال جبلة: أ ترون أنى جاعل وجهي بدلا لوجه مازني جاء من ناحية المدينة؟ بئس الدين هذا، ثم ارتد نصرانيا و ترحل بأهله حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر فشق عليه و قال لحسان:
إن صديقك جبلة ارتد عن الإسلام، فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ثم قال: و لم؟ قال لطمه رجل من مزينة فقال: و حق له، فقام إليه عمر بالدرة فضربه. و رواه الواقدي عن معمر و غيره عن الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس و ساق ذلك بأسانيده إلى جماعة من الصحابة. و هذا القول هو أشهر الأقوال. و قد روى ابن الكلبي و غيره أن عمر لما بلغه إسلام جبلة فرح بإسلامه، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة، و قيل بل استأذنه جبلة في القدوم عليه فأذن له فركب في خلق كثير من قومه، قيل مائة و خمسين راكبا، و قيل خمسمائة، و تلقته هدايا عمر و نزله قبل أن يصل إلى المدينة بمراحل، و كان يوم دخوله يوما مشهودا دخلها و قد ألبس خيوله قلائد الذهب و الفضة، و لبس تاجا على رأسه مرصعا باللآلئ و الجواهر، و فيه قرطا مارية جدته، و خرج أهل المدينة رجالهم و نساؤهم ينظرون إليه، فلما سلم على عمر رحب به عمر و أدنى مجلسه، و شهد الحج مع عمر في هذه السنة، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وطئ إزاره رجل من بنى فزارة فانحل، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل، و من الناس من يقول: إنه قلع عينه، فاستعدى عليه الفزاري إلى عمرو معه خلق كثير من بنى فزارة، فاستحضره عمر فاعترف جبلة، فقال له عمر: أقدته منك. فقال: كيف و أنا ملك و هو سوقة؟ فقال:
إن الإسلام جمعك و إياه فلست تفضله إلا بالتقوى، فقال جبلة: قد كنت أظن أن أكون في الإسلام أعز منى في الجاهلية، فقال عمر: دع ذا عنك، فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك، فقال إذا أتنصر، فقال إن تنصرت ضربت عنقك، فلما رأى الحد: قال سأنظر في أمرى هذه الليلة، فانصرف من عند عمر، فلما ادلهمّ الليل ركب في قومه و من أطاعه فسار إلى الشام ثم دخل بلاد الروم و دخل على هرقل في مدينة القسطنطينية فرحب به هرقل و أقطعه بلادا كثيرة، و أجرى عليه أرزاقا جزيلة، و أهدى إليه هدايا جميلة، و جعله من سماره، فمكث عنده دهرا. ثم إن عمر كتب كتابا إلى هرقل مع رجل يقال له جثامة بن مساحق الكناني، فلما بلغ هرقل كتاب عمر بن الخطاب قال له هرقل: هل لقيت ابن عمك جبلة؟ قال: لا! قال فالقه، فذكر اجتماعه به و ما هو فيه من النعمة و السرور و الحبور الدنيوي، في لباسه و فرشه و مجلسه و طيبه و جواريه، حواليه الحسان من الخدم و القيان، و مطعمه و شرابه و سروره و داره التي تعوض بها عن دار الإسلام، و ذكر أنه دعاه إلى الإسلام و العود إلى الشام فقال: أبعد ما كان منى من الارتداد؟ فقال: نعم! إن الأشعث بن قيس ارتد و قاتلهم بالسيوف، ثم لما رجع إلى الحق قبله منه و زوجه الصديق بأخته أم فروة، قال: فالتهى عنه بالطعام و الشراب، و عرض عليه الخمر فأبى عليه، و شرب جبلة من الخمر شيئا كثيرا حتى سكر