البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٢ - قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي
فألقاها إلى معاوية فقال له معاوية: لو ذهبت إلى منزلك ثم أرسلت بها إلينا، فأنشأ قيس يقول عند ذلك:-
أردت بها كي يعلم الناس أنها* * * سراويل قيس و الوفود شهود
و أن لا يقولوا غاب قيس و هذه* * * سراويل غادى سمّد و ثمود
و إني من الحىّ اليماني لسيد* * * و ما الناس إلا سيد و مسود
فكدهم بمثلي إن مثلي عليهم* * * شديد و خلقي في الرجال مديد
و فضلني في الناس أصل و والد* * * و باع به أعلو الرجال مديد
قال: فأمر معاوية أطول رجل في الوفد فوضعها على أنفه فوقعت بالأرض، و في رواية أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أن أحدهما أقوى الروم، و الآخر أطول الروم فانظر هل في قومك من يفوقهما في قوة هذا و طول هذا؟ فان كان في قومك من يفوقهما بعثت إليك من الأسارى كذا و كذا، و من التحف كذا و كذا، و إن لم يكن في جيشك من هو أقوى و أطول منهما فهادنى ثلاث سنين. فلما حضرا عند معاوية قال: من لهذا القوى؟ فقالوا: ما له إلا أحد رجلين، إما محمد بن الحنفية، أو عبد اللَّه بن الزبير، فجيء بمحمد ابن الحنفية و هو ابن على بن أبى طالب، فلما اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية: أ تعلم فيم أرسلت إليك؟ قال: لا! فذكر له أمر الرومي و شدة بأسه، فقال للرومى: إما أن تجلس لي أو أجلس إليك و تناولني يدك أو أناولك يدي، فأينا قدر على أن يقيم الآخر من مكانه غلبه، و إلا فقد غلب. فقال له: ما ذا تريد؟ تجلس أو أجلس؟
فقال له الرومي: بل أجلس أنت، فجلس محمد بن الحنفية و أعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك، و لا وجد إليه سبيلا، فغلب الرومي: عند ذلك، و ظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غلب، ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومى اجلس لي، فجلس و أعطى محمدا يده فما أمهله أن أقامه سريعا، و رفعه في الهواء ثم ألقاه على الأرض فسر بذلك معاوية سرورا عظيما، و نهض قيس بن سعد فتنحى عن الناس ثم خلع سراويله و أعطاها لذلك الرومي الطويل فلبسها فبلغت إلى تدييه و أطرافها تخط بالأرض، فاعترف الرومي بالغلب، و بعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية، و عاتب الأنصار قيس بن سعد في خلعه سراويله بحضرة الناس فقال: ذلك الشعر المتقدم معتذرا به إليهم، و ليكون ذلك ألزم للحجة التي تقوم على الروم، و أقطع لما حاولوه. و رواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: كان قيس بن سعد رجلا ضخما جسيما صغير الرأس له لحية في ذقنه، و كان إذا ركب الحمار العالي خطت رجلاه بالأرض، و قال الواقدي و خليفة بن خياط و غير واحد: توفى بالمدينة في آخر خلافة معاوية. و ذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، فتبعناه في ذلك.