البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٠ - قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي
و قال غيره: كانت له صحفة يدار بها حيث دار، و كان ينادى له مناد: هلموا إلى اللحم و الثريد.
و كان أبوه و جده من قبله يفعلان كفعله، و قال عروة بن الزبير: باع قيس بن سعد من معاوية أرضا بتسعين ألفا، فقدم المدينة فنادى مناديه: من أراد القرض فليأت، فأقرض منها خمسين ألفا و أطلق الباقي، ثم مرض بعد ذلك فقل عواده، فقال لزوجته- قريبة بنت أبى عتيق أخت أبى بكر الصديق- إني أرى قلة من عادني في مرضى هذا، و إني لأرى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض، فبعث إلى كل رجل ممن كان له عليه دين بصكه المكتوب عليه، فوهبهم ماله عليهم، و قيل: إنه أمر مناديه فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد، و كان يقول: اللَّهمّ ارزقني مالا و فعالا، فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال. و قال سفيان الثوري: اقترض رجل من قيس بن سعد ثلاثين ألفا فلما جاء ليوفيه إياها قال له قيس: إنا قوم ما أعطينا أحدا شيئا فنرجع فيه. و قال الهيثم بن عدي: اختلف ثلاثة عند الكعبة في أكرم أهل زمانهم، فقال أحدهم: عبد اللَّه بن جعفر، و قال الآخر: قيس بن سعد، و قال الآخر: عرابة الأوسي، فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة، فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الّذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه و ليحكم على العيان. فذهب صاحب عبد اللَّه بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز ليذهب إلى ضيعة له، فقال له: يا ابن عم رسول اللَّه ابن سبيل و منقطع به، قال: فأخرج رجله من الغرز و قال: ضع رجلك و استو عليها فهي لك بما عليها، و خذ ما في الحقيبة و لا تخدعن عن السيف فإنه من سيوف على، فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة و إذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، و مطارف من خز و غير ذلك، و أجلّ ذلك سيف على بن أبى طالب. و مضى صاحب قيس بن سعد إليه فوجده نائما، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه؟ قال: ابن سبيل و منقطع به، قالت: فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، و اذهب إلى مولانا في معاطن الإبل فخذ لك ناقة و عبدا، و اذهب راشدا. فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرا على صنيعها ذلك، و قال:
هلا أيقظتينى حتى أعطيه ما يكفيه أبدا، فلعل الّذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته. و ذهب صاحب عرابة الأوسي إليه فوجده و قد خرج من منزله يريد الصلاة و هو يتوكأ على عبدين له- و كان قد كف بصره- فقال له: يا عرابة، فقال: قل، فقال: ابن سبيل و منقطع به، قال: فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه، باليمنى على اليسرى، ثم قال أوّه أوّه، و اللَّه ما أصبحت و لا أمسيت و قد تركت الحقوق من مال عرابة شيئا، و لكن خذ هذين العبدين، قال: ما كنت لأفعل، فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فان شئت فأعتق، و إن شئت فخذ. و أقبل يلتمس الحائط بيده، قال: فأخذهما و جاء