البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٨ - مصعب بن عبد الرحمن بن عوف
و لا يشعر بهم جمهور الناس، و حينئذ عمد جمهور أهل الكوفة إلى عمرو بن حريث نائب عبيد اللَّه ابن زياد على الكوفة فأخرجوه من القصر، و اصطلحوا على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الملقب دحروجة، فبايع لعبد اللَّه بن الزبير، فهو يسد الأمور حتى تأتى نواب ابن الزبير. فلما كان يوم الجمعة لثمان بقين من رمضان من هذه السنة- أعنى سنة أربع و ستين- قدم أميران إلى الكوفة من جهة ابن الزبير، أحدهما عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ، على الحرب و الثغر، و الآخر إبراهيم بن محمد ابن طلحة بن عبيد اللَّه التيمي، على الخراج و الأموال. و قد كان قدم قبلهما بجمعة واحدة للنصف من هذا الشهر المختار بن أبى عبيد- و هو المختار بن أبى عبيد الثقفي الكذاب- فوجد الشيعة قد التفت على سليمان بن صرد و عظموه تعظيما زائدا، و هم معدون للحرب. فلما استقر المختار عندهم بالكوفة دعا إلى إمامة المهدي محمد بن على بن أبى طالب، و هو محمد بن الحنفية في الباطن، و لقبه المهدي، فاتبعه على ذلك كثير من الشيعة و فارقوا سليمان بن صرد، و صارت الشيعة فرقتين، الجمهور منهم مع سليمان يريدون الخروج على الناس ليأخذوا بثأر الحسين، و فرقة أخرى مع المختار يريدون الخروج للدعوة إلى إمامة محمد بن الحنفية، و ذلك عن غير أمر ابن الحنفية و رضاه، و إنما يتقولون عليه ليروجوا على الناس به، و ليتوصلوا إلى أغراضهم الفاسدة، و جاءت العين الصافية إلى عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ نائب ابن الزبير بما تمالأ عليه فرقنا الشيعة على اختلافهما من الخروج على الناس و الدعوة إلى ما يريدون، و أشار من أشار عليه بأن يبادر إليهم و يحتاط عليهم و يبعث الشرط و المقاتلة فيقمعهم عماهم مجمعون عليه من إرادة الشر و الفتنة. فقام خطيبا في الناس و ذكر في خطبته ما بلغه عن هؤلاء القوم، و ما أجمعوا عليه من الأمر، و أن منهم من يريد الأخذ بثأر الحسين، و لقد علموا أننى لست ممن قتله، و إني و اللَّه لمن أصيب بقتله و كره قتله، ف(رحمه اللَّه) و لعن قاتله، و إني لا أتعرض لأحد قبل أن يبدأنى بالشر، و إن كان هؤلاء يريدون الأخذ بثأر الحسين فليعمدوا إلى ابن زياد فإنه هو الّذي قتل الحسين و خيار أهله فليأخذوا منه بالثأر، و لا يخرجوا بسلاحهم على أهل بلدهم، فيكون فيه حتفهم و استئصالهم. فقام إبراهيم بن محمد بن طلحة الأمير الآخر فقال: أيها الناس لا يغرنكم من أنفسكم كلام هذا المداهن، إنا و اللَّه قد استيقنا من أنفسنا أن قوما يريدون الخروج علينا، و لنأخذن الوالد بالولد و الوالد بالوالد، و الحميم بالحميم، و العريف بما في عرافته، حتى تدينوا بالحق و تذلوا للطاعة. فوثب إليه المسيب بن نجية الفزاري فقطع كلامه فقال: يا ابن الناكثين أ تهددنا بسيفك و غشمك؟ أنت و اللَّه أذل من ذلك، إنا لا نلومك على بغضنا و قد قتلنا أباك و جدك، و إنا لنرجو أن نلحقك بهما قبل أن تخرج من هذا القصر. و ساعد المسيب بن نجية من أصحاب إبراهيم بن محمد ابن طلحة جماعة من العمال، و جرت فتنة و شيء كبير في المسجد، فنزل عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ