البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤ - في ذكر شيء من سيرته العادلة و سريرته الفاضلة و مواعظه و قضاياه الفاصلة و خطبه الكاملة و حكمه التي هي إلى القلوب واصله
من الزهو، و خيرا لي في صلاتي، و سنة للمؤمن.
و قال عبد بن حميد: ثنا محمد بن عبيد ثنا المختار بن نافع عن أبى مطر قال: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادى من خلفي: ارفع إزارك فإنه أبقى لثوبك و أتقى لك، و خذ من رأسك إن كنت مسلما، فمشيت خلفه و هو مؤتزر بإزار و مرتد برداء و معه الدرة كأنه أعرابى بدوي فقلت: من هذا؟ فقال لي رجل: أراك غريبا بهذا البلد. فقلت: أجل أنا رجل من أهل البصرة، فقال: هذا على بن أبى طالب أمير المؤمنين حتى انتهى إلى دار بنى أبى معيط و هو يسوق الإبل، فقال: بيعوا و لا تحلفوا فان اليمين تنفق السلعة و تمحق البركة، ثم أتى أصحاب التمر فإذا خادم تبكى فقال: ما يبكيك؟ فقالت: باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فرده موالي فأبى أن يقبله، فقال له على: خذ تمرك و أعطها درهمها فإنها ليس لها أمر، فدفعه، فقلت: أ تدري من هذا؟ فقال:
لا فقلت: هذا على بن أبى طالب أمير المؤمنين، فصبت تمره و أعطاها درهمها. ثم قال الرجل: أحب أن ترضى عنى يا أمير المؤمنين، قال: ما أرضانى عنك إذا أوفيت الناس حقوقهم، ثم مر مجتازا بأصحاب التمر فقال: يا أصحاب التمر أطعموا المساكين يرب كسبكم. ثم مر مجتازا و معه المسلمون حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال: لا يباع في سوقنا طافى. ثم أتى دار فرات- و هي سوق الكرابيس- فأتى شيخا فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، ثم آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم و كمه ما بين الرسغين إلى الكعبين يقول في لبسه: الحمد للَّه الّذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، و أواري به عورتي. فقيل له:
يا أمير المؤمنين هذا شيء ترويه عن نفسك أو شيء سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فقال: لا! بل شيء سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقوله عند الكسوة. فجاء أبو الغلام صاحب الثوب فقيل له: يا فلان قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين قميصا بثلاثة دراهم، قال: أ فلا أخذت منه درهمين؟ فأخذ منه أبوه درهما ثم جاء به إلى أمير المؤمنين و هو جالس مع المسلمين على باب الرحبة فقال: أمسك هذا الدرهم.
فقال: ما شأن هذا الدرهم؟ فقال إنما ثمن القميص درهمين، فقال: باعني رضاي و أخذ رضاه.
و قال عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الشعبي قال: وجد على بن أبى طالب درعه عند رجل نصراني فأقبل به إلى شريح يخاصمه، قال: فجاء على حتى جلس جنب شريح و قال: يا شريح لو كان خصمي مسلما ما جلست إلا معه، و لكنه نصراني و قد قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إذا كنتم و إياهم في طريق فاضطروهم إلى مضايقه، و صغروا بهم كما صغر اللَّه بهم من غير أن تطغوا» ثم قال: هذا الدرع درعي و لم أبع و لم أهب، فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي و ما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى على فقال: يا أمير المؤمنين هل من بينة؟ فضحك على و قال أصاب شريح، ما لي بينة، فقضى بها شريح للنصراني، قال فأخذه النصراني