البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٢ - ثم دخلت سنة خمس و ستين
المسيب بن نجية لسليمان: إنه لا ينفعك الكاره، و لا يقاتل معك إلا من أخرجته النية، و باع نفسه للَّه عز و جل، فلا تنتظرن أحدا و امض لأمرك في جهاد عدوك و استعن باللَّه عليهم. فقام سليمان في أصحابه [و قال: يا أيها الناس! من كان إنما خرج لوجه اللَّه و ثواب الآخرة فذلك منا و نحن منه، و من كان خروجه معنا للدنيا فليس منا و لا يصحبنا. فقال الباقون معه: ما للدنيا خرجنا، و لا لها طلبنا، فقيل له: أ نسير إلى قتلة الحسين بالشام و قتلته عندنا بالكوفة كلهم مثل عمر بن سعد و غيره؟ فقال سليمان:
إن ابن زياد هو الّذي جهز الجيش إليه و فعل به ما فعل، فإذا فرغنا منه عدنا إلى أعدائه بالكوفة، و لو قاتلتوهم أولا، و هم أهل مصركم ما عدم الرجل منكم أن يرى رجلا قد قتل أباه قد قتل أخاه أو حميمه، فيقع التخاذل، فإذا فرغتم من الفاسق ابن زياد حصل لكم المراد. فقالوا: صدقت. فنادى فيهم:
سيروا على اسم اللَّه تعالى، فساروا عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول] [١] و قال في خطبته: من كان خرج منكم للدنيا ذهبها و زبرجدها فليس معنا مما يطلب شيء، و إنما معنا سيوف على عواتقنا، و رماح في أكفنا، و زاد يكفينا حتى نلقى عدونا. فأجابوه إلى السمع و الطاعة و الحالة هذه، و قال لهم: عليكم بابن زياد الفاسق أولا، فليس له إلا السيف، و ها هو قد أقبل من الشام قاصدا العراق. فصمم الناس معه على هذا الرأى، فلما أزمعوا على ذلك بعث عبد اللَّه بن يزيد و إبراهيم بن محمد أمراء الكوفة من جهة ابن الزبير، إلى سليمان بن صرد يقولان له: إنا نحب أن تكون أيدينا واحدة على ابن زياد، و أنهم يريدون أن يبعثوا معهم جيشا ليقويهم على ما هم قد قصدوا له، و بعثوا بريدا بذلك ينتظرهم حتى يقدموا عليه، فتهيأ سليمان بن صرد لقدومهم عليه في رءوس الأمراء، و جلس في أبهته و الجيوش محدقة به، و أقبل عبد اللَّه بن يزيد و إبراهيم بن طلحة في أشراف أهل الكوفة من غير قتلة الحسين، لئلا يطمعوا فيهم، و كان عمر بن سعد بن أبى وقاص في هذه الأيام كلها لا يبيت إلا في قصر الامارة عند عبد اللَّه بن يزيد خوفا على نفسه، فلما اجتمع الأميران عند سليمان بن صرد قالا له و أشارا عليه أن لا يذهبوا حتى تكون أيديهما واحدة على قتال ابن زياد، و يجهزوا معهم جيشا، فان أهل الشام جمع كثير و جم غفير، و هم يحاجفون عن ابن زياد، فامتنع سليمان من قبول قولهما و قال: إنا خرجنا لأمر لا نرجع عنه و لا نتأخر فيه.
فانصرف الأميران راجعين إلى الكوفة، و انتظر سليمان بن صرد و أصحابه أصحابهم الذين كانوا قد واعدوهم من أهل البصرة و أهل المدائن فلم يقدموا عليهم و لا واحد منهم، فقام سليمان في أصحابه خطيبا و حرضهم على الذهاب لما خرجوا عليه، و قال: لو قد سمع إخوانكم بخروجكم للحقوكم سراعا. فخرج سليمان و أصحابه من النخيلة يوم الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول سنة خمس و ستين، فسار بهم
[١] سقط من المصرية