البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨١ - ثم دخلت سنة ثمان و خمسين
بذلك، ثم استدعى يزيد فقال له كما قال لأخيه، فقال يزيد: أو يعفيني أمير المؤمنين في هذا الوقت عن هذا؟ فقال: لا بدّ لك أن تسأل حاجتك، فقال: أسال- و أطال اللَّه عمر أمير المؤمنين- أن أكون ولى عهده من بعده، فإنه بلغني أن عدل يوم في الرعية كعبادة خمسمائة عام. فقال: قد أجبتك إلى ذلك، ثم قال لامرأته: كيف رأيت؟ فعلمت و تحققت فضل يزيد على ولدها.
و قد ذكر ابن الجوزي في هذه السنة وفاة أم حرام بنت ملحان الأنصارية امرأة عبادة بن عبادة بن الصامت، و الصحيح الّذي لم يذكر العلماء غيره أنها توفيت سنة سبع و عشرين، في خلافة عثمان، و كانت هي و زوجها مع معاوية حين دخل قبرص، و قصتها بغلتها فماتت هناك و قبرها بقبرص، و العجب أن ابن الجوزي أورد في ترجمتها حديثها المخرج في الصحيحين في قيلولة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في بيتها، و رؤياه في منامه قوما من أمته يركبون ثبج البحر مثل الملوك على الأسرة غزاة في سبيل اللَّه، و أنها سألته أن يدعو لها أن تكون منهم فدعا لها، ثم نام فرأى كذلك، فقالت: أدعو اللَّه أن يجعلني منهم، فقال «لا! أنت من الأولين» و هم الذين فتحوا قبرص فكانت معهم، و ذلك في سنة سبع و عشرين، و لم تكن من الآخرين الذين غزوا بلاد الروم سنة إحدى و خمسين مع يزيد بن معاوية و معهم أبو أيوب، و قد توفى هناك فقبره قريب من سور قسطنطينية، و قد ذكرنا هذا مقرارا في دلائل النبوة
ثم دخلت سنة سبع و خمسين
فيها كان مشتى عبد اللَّه بن قيس بأرض الروم، قال الواقدي: و في شوالها عزل معاوية مروان ابن الحكم عن المدينة، و ولى عليها الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، و هو الّذي حج بالناس في هذه السنة، لأنه صارت إليه إمرة المدينة، و كان على الكوفة الضحاك بن قيس، و على البصرة عبيد اللَّه ابن زياد، و على خراسان سعيد بن عثمان. قال ابن الجوزي: و فيها توفى عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي، و هو أخو عبادة و سهل ابني حنيف، بعثه عمر لمساحة خراج السواد بالعراق، و استنابه عمر على الكوفة، فلما قدم طلحة و الزبير صحبة عائشة و امتنع من تسليم دار الامارة، نتفت لحيته و حواجبه و أشفار عينيه و مثل به،
فلما جاء على و سلمه البلد قال له: يا أمير المؤمنين فارقتك ذا لحية و اجتمعت بك أمرد، فتبسم على رضى اللَّه عنه و قال: لك أجر ذلك عند اللَّه،
و له في المسند و السنن حديث الأعمى الّذي سأل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يدعو له ليرد اللَّه عليه ضوء بصره فرده اللَّه عليه، و له حديث آخر عند النسائي، و لم أر أحدا أرخ وفاته بهذه السنة سوى ابن الجوزي و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان و خمسين
فيها غزا مالك بن عبد اللَّه الخثعميّ أرض الروم، قال الواقدي: و فيها قيل شتى يزيد بن شجرة في البحر، و قيل: بل غزا البحر و بلاد الروم جنادة بن أبى أمية، و قيل: إنما شتى بأرض الروم عمرو